في أَسباب الغُلُو النفسيّة ... إبراهيم العجلوني

 

لا يذهب المرء في اعتقاده مذهب المغالاة إلا إذا مُنِعَ من إبدائه، وتلك هي الخلاصة من تاريخ كثير من الفتن التي مردُّها إلى كبت الاعتقادات – سواء أكانت سليمة أم سقيمة، صحيحة أم باطلة – ويتصل ذلك بحقيقة أن لتحقيق الذات أو الاعتبار أثراً غالباً في اعتدال الأمزجة، وأنّ الحؤول دون ذلك متأدّ إلى ضيق العطن وانغلاق العقول وتفاقم المشاعر الملتوية وانبساط مدى التهاويل والخُرافات.
إنّ مراعاة حرية إبداء الآراء والاعتقادات لأوّل نشوئها أو تشكّلها وقبولها في دائرة الحوار والجدل كفيل بالوصول مع أصحابها إلى كلمة سواء، أو إلى حالٍ من التعايش مع الوعي العام الذي لا يضيق ذرعاً بهم، ويضع خطابهم في إطار "اختلاف التنوع" لا "اختلاف التضاد" على حدّ قول ابن تيمية رحمه الله.
إنّ كثيراً من متهافت الآراء إذا ما أعوزه الإبداء تضخّم في أذهان مجترحيه، وليس كالمناظرة سبيل إلى العودة به إلى حجمه الطبيعي في الأنفس التي تكون قد استشعرت هدأة، وروْحاً ولون تقدير واعتبار، يباعدانه بينها وبين الغلو ويستبقيانها جزءاً حميماً من النسيج الاجتماعي للأمة.
إنّ التعبير عن الذات دافع حيويّ ينبغي أخذه في الاعتبار لدى النظر في سيكولوجيا الغلوّ، وهو دافع إذا ما قُهر، لسبب أو لآخر، أدركه القبض، وكمن في الأعماق المظلمة للنفس بما هو قوة مؤهلة للانفجار لأدنى إشارة أو أقرب فرصة ممكنة.
ولقد تحتمل النفس الفقر وضنك العيش وألوان النكبات وتصاريف التقادير، ولكنها لا تحتمل أن يحال بينها وبين التعبير عن الذات بصفة كونه بعض طرائق تحقيقها، وحين يُسحبُ هذا على الجماعات يمكن به تفسير كثير من الفتن والثورات وحركات التمرد، ويكون لنا أن نفضي منه إلى قاعدة مطّردة تقول إن اعتقال اللسان أقرب سبيل إلى الفصاحة الدموية للسّنان، وإن حرية التعبير للأفراد والجماعات هي أول أسباب السّلَمْ المجتمعي الذي نريد..
وإذا كان لنا أن نبحث في خير الوسائل التي تضمنُ قيام المناظرة مع أصحاب الآراء والمقالات والاعتقادات على أُسس سليمة، لدى الاعتراف بحقهم في إبدائها، فإنّ بنا أن نبحث في كيفية تعليم المنطق، ومناهج النظر، وأساليب الحوار، لما لذلك كلّه من أثر ملموس في دفع الغلو، وإعادة التوازن، وشيوع الطمأنينة، ثمّ في جعل الاختلاف – بسَعَةِ العقول والقلوب – مَدْرَجَةً إلى قوّة المجتمعات وتعاضد أبنائها وانتظام صفوفهم في مسيرة الإصلاح والتطوير.

(الرأي)

13/6/2016