فوضى النُخب الثقافية ... د. زياد أبولبن

 

ما جدوى أن يحضر ندوة أو محاضرة أو أمسية عشرة أشخاص أو أقل أو يزيد بقليل؟ وإذا نظرت لهؤلاء تجدهم ممن ينتجون الثقافة، أي جمهور نخبوي، وليس الجمهور الذي نسعى إليه للتثقيف، وعندما نقول جمهور نخبوي نقصد به الكاتبات والكتاب والمثقفين، بل أحيانا يصيب القائمين على هذا النشاط حرج من قلة عدد الجمهور، فيتذرعون بأنه جمهور نخبوي، وتارة أن هناك فعاليات متعددة، فيتوزع الجمهور عليها، وتارة أخرى بالتوقيت غير المناسب، وتبريرات كثيرة كي تزيل الحرج! صحيح هناك محاضرات وندوات وأمسيات تقام في ساعة واحدة، وأغلبها مساء، فقد تكون ظاهرة صحية تسجل لهذا النشاط والحراك الثقافي، وقد تكون ظاهرة سلبية، فأنت تتخير ما هو النشاط الذي يتفق وذائقتك أو معرفتك الثقافية أو توجهك الفكري، وقد تتخير بناء على أي القائمين على النشاط أو المحاضرين أقرب لصحبتك أو معارفك، فيحدث هنا استرضاء للأخر وليس لنفسك. هناك مؤسسات ثقافية قادرة على حشد جمهور فعالياتها من خلال وسائل الاتصال (الخلوي والفيسبوك والايميل والماسنجر والوتساب والصحف والمواقع الالكترونية وغيرها)، فلا تبق ولا تذر، فلا تعدم وسيلة إلا وسعت إليها، وهناك مؤسسات ثقافية تحشد على استحياء، ويحضر من يحضر. يقر أغلبنا أن هناك خللا يقع على عاتق المؤسسات الثقافية الرسمية، والجامعات، والهيئات الثقافية، هذا الخلل قد يكون تنسيقي بين الفعاليات، أو أنها غير قادرة على إيصال رسالتها لفئات المجتمع المعني بالنشاطات، تلك الفئات الباحثة عن لقمة العيش، وستر الحال، وتؤثر السلامة، وكأن الثقافة وجع رأس، أو ترفيه! فإذا كانت الحكومات المتعاقبة لا تولي الثقافية اهتماما، بل كثيرا ما تتعالى عليها، وتظن أن القائمين عليها أشخاص لا يستحقوق أدنى اهتمام! كذلك نواب الشعب، الذين أغرقونا بالشعارات واليافطات والخطابات، والكل ينظّر للوطن وعلى الوطن، ليس للثقافة وزن يُذكر! إذا، ماذا ننتظر من العامة أن تفعل؟! إذا كان خطابنا الثقافي لا يمس عقولهم وأحاسيسهم. فإذا لمن نكتب؟ بل هناك تعال من المثقفين على العامة، واحتقار لهم، باعتبارهم لا يقرأون ولا يفهمون ما يقوله المثقفون، كما أن العامة تعتبر الكتابة رفاهية لا تسعى إليها؟ فهناك رفاهيات جاذبة أكثر من كتاب أو ندوة. يقول ريتشارد بيرندت (فيلسوف مدرسة فرانكفورت)، في كتابه «الاستراتيجيات الاجتماعية للبلدان النامية»: «إن التغيير الحقيقي للمجتمعات يحدث عندما يتغير وعي الناس، وهذا الأمر يحدث ببطء. لكن التعجل في قطف الثمار من خلال نخبة متعلمة أو من خلال مستبد مستنير لا يجدي، إذ أن وعي العامة المتأخر يستطيع الذهاب بالإنجازات التي يحققها هؤلاء في طرفة عين». الحقيقة، إن هناك تراجعا للنخب الثقافية، كما أن هناك سقوطا لبعضها، مما دفع بالجماهير إلى سماع من هو تواضعَ معها، «وتماهى مع إمكاناتها المعرفية، ولم يمارس عليها الفوقية بدعوى النخبوية.