مواضيع الأغاني الشعبيّة

يعبر الشعب الأردني عن أحاسيسه وعاداته وتجاربه ومعتقداته في أغانيه الشعبية.

تأتي موضوعات الأغاني في خمسة أصناف كبيرة:

1- أغاني الدورة الحياتية

وهذا الصنف يجمع الأغاني التي لا تنفك تتردد وتتوالى على مدى حياة كل فردٍ أردني. وهناك أغنية لكل مرحلة من مراحل حياته.

  • أغاني المهد والأطفال

نجد من هذا الصنف أغانٍ معروفة لدى عامّة الشعب الأردني،  والأغنية التالية تشهد بذلك:

هُوْ يا بنييّ نام لاذبحلك طير الحمام
يا حمامة لا تخافي بلكي فلان بنام

 

\"m7\"

 

هو … هو …

مثال رقم(2) أغنية مهد

 

الكلمات السابقة هي إحدى تنوعات هذه الأغنية. كما نجد لهذه الأغنية نماذج أخرى في مناطق مختلفة مثل النموذجين التاليين:

ننيّ يا عين فلان نام يا ابني نام
يا عين الحمام لاذبحلك طير الحمام
فلان بدّو ينام يا حمامة لا تخافي
على ريش نعام بضحك على ابني حتى ينام

 

نلاحظ أن تعبير أغاني المهد يحمل مزيجاً من رقة العاطفة والحزن ولعلّ السبب يكمن في مقام الصبا الذي يُستخدم لهذا النوع من الأغاني.

 

أما أغاني الأطفال، فعلى عكس أغاني المهد، ذات طابع فرح ونشيط،  ولكنها قليلة العدد إذا ما قيست بأغاني الأطفال في بلاد أخرى. ويغني الأطفالُ أحياناً أغنيات من ابتكارهم أثناء لعبهم، وينقلون ويصورون عالمهم الطُّفولي بأغانيهم التي تعكس رغباتهم وأحاسيسهم بقالب موسيقي بسيط وبأشعارٍ ساذجة.

 

\"m8\"

مثال رقم(3) أغنية أطفال

 

لم تجر العادة عندنا أن نحتفل بأعياد الميلاد. ولكن بعض العائلات الآن تُقيمُه لأطفالها، وبهذه المناسبة يغنون، كالأوروبيين، أغنية Happy birth day to you ، وأحياناً يغنّون الكلمات العربية الموضوعة لها. وللطهور أصل ديني فهو سُنَّة متبعة عند المسلمين. و في هذه المناسبة تغني النساء بعض الأغاني بينما يقوم المطهر بعملية الطهور.

  • أغاني الزواج

يسود الاعتقاد عند الناس بأن الزواج نصف الدين. ولقد شجع الرسول صلى الله عليه وسلم على إعلان الزواج وسمح بالغناء والموسيقى في هذه المناسبة. ويجد الناس في حفلات الزواج مجالاً للتسلية والغناء والرقص.

"الطّلْبَةُ" أول مراحل تقاليد الزواج. وتتم الطّلْبَةُ (أي طلب الزواج) بواسطة "جاهة" - أي مجموعة من وُجهاء القوم ورجال عائلة الشاب المُهمّين - وتذهب الجاهة إلى والد الشابّة تطلبُ "يد ابنته" أي تطلبها للزواج. فإذا وافق أبوها أو وليُّ أمرها ترتفع أصوات النساء وتصدح صيحات "المهاهات والزغاريد" في السماء كأنها أصوات الخطاف الآتية من البلاد الباردة لتنعم بدفء وروعة شمس الجنوب.

"والخطبة" تعني المرحلة الرسمية بالزواج وتتم بحضور "المأذون" الذي يكتب "عقد الزواج ". أمّا الفترة ما بين الخطبة والزواج فتُعتبر فرصة ليتعرف العروسان على بعضهما وبنفس الوقت تُنجَزُ ترتيبات يوم العرس، وتجتمع النسوة في أمسية اليوم السابق للزواج سامرات بالغناء والرقص. وتغني الفتيات لصاحبتهن العروس أغاني الوداع والتراويد. بينما يصحُب العريسَ أصدقاؤه " بزفة"، والبدو يغنون السامر ويرقصون السَّحجة، وفي القرى يرقصون الدَّبكة وفي المدن تأتي فرقة من "الجناكي" لتُحيي الليل بالموسيقى والرقص والغناء بينما تعلو أصوات النساء بالمهاهاة والزغاريد من فترة لأخرى.

 

\"m9\"

مثال موسيقي رقم (4) زفه

  • النواح (غناء المراثي)

لا زالت أغاني النواح حيّة في الأردن. و تغني نساء الفقيد أو النائحات المحترفات المراثي من أشعارٍ قديمة لا يُعرف قائلها ولا من قيلت بِحقّه. وتبلغنا "هيلما غرانكويست" عن النواح على الأموات بما يلي:

"يعتمد اختيار النساء للأغاني على الظروف وفيما إذا كان الفقيد رجلاً أم امرأة، بالغاً أم طفلاً. وضع الفقيد الاجتماعي والأقرباء الذين تركهم خلفه من زوجة أو أخت أو أخوة وما إلى ذلك ……، يلعب أيضاً دوراً.

الشيخ في قبيلته- مثلاً - يُنعَتُ بالكريم والقوي والكبير و تبكيه وترثيه كل نساء القبيلة:

عَبيْدَرُهْ هَدَّا الحُمَامْ
عَ فَرشْتُهْ طَابْ الكَلامْ
عَ منْسَفُهْ رِبيوا الايتام

 

ليس لهذه الأغاني أي مرافقةٍ آلية، ولكن الإيقاع يُؤكَّدُ أحياناً بضرب كفّ على كفّ.

 

يُكِنّ الأردنيون احتراماً كبيراً لأبطالهم. وعندما يقع رجل صريعاً في معركة ترفع النسوةُ أصواتَهن معلنة النبأ بقولهن "ياوَرَدِيْ". وعندما يكون الفقيد زعيماً وطنياً يجتمع الناس بعد صلاة الجنازة ويخرجون بزفة حاملين النعش مرددين المراثي الغنائية كالأغنية التالية التي تقال في الشهداء:

 

\"m10\"

مثال رقم (5) مرثاة للشهداء

 

يا امّ الشَّهيْد شُو مَالِكِيْ كُلّ الشَّبابِ وْلاْدِكِ
يا أمّ الشَّهيْد لا تحْزَني إِم الشبَّابٍ مْزَيَّنة

 

إن الله هو الذي يهب الحياة ويقضي بالموت وهذا يعلل الاعتقاد السائد بين الناس بأن الموت "قدرٌ محتوم" أو كما تقول العامة "بني آدم من التراب وإلى التراب".

 

وما ذكرناه في هذا القسم يأتي مصداقاً لما أسلفنا بأن الغناء يرافق الأردنيين من المهد إلى الّلحد.

 

2- الأغاني الوطنية

كلُّ أمة في العالم تُغني حب الوطن على مدى الدهر وليست الأمة العربية بشاذة عن هذه القاعدة، بل بالعكس فإنها أكثر تعلقاً بوطنها. والبدو، بالرغم من قسوة الحياة في الصحراء دون ماء أو هناءة عيش ودون وجود أساسيات الحياة، يُحبون واحاتهم ويدافعون عن حياضهم بقوة.

والفلاحون شديدو التعلق بالأرض وبالحقول حيث يمضون حياتهم في عنايتها. ويعبر العرب- جميع العرب- عن حبهم لأوطانهم بغنائهم البيت التالي:

حُبّ الوطن غالي عليّ

يؤكدّ التاريخ بأن العرب كانوا دائماً مستقلين، وأنهم يكرهون العيش تحت حكمٍ أجنبي. وهم يذودون عن حريتهم ويدفعون حياتهم رخيصة ليؤمنوا لوطنهم استقلاله. وترافق الموسيقى صراعهم كما ترافق الجنودَ أثناء المعارك. وللأغاني الوطنية أقسام ثلاثة:

  • الصراع ضد القوى الأجنبية.
  • حب الوطن.
  • مدح الأبطال والملوك.

وتهوى نفوسُ الأردنيين هذا النوع من الأغاني لأنها تعبر عما تجيش به صدورهم من صادق الأحاسيس.

  • أغاني الصراع ضد القوى الأجنبية:

كانت العرب في الجاهلية تشجع المحاربين بالغناء وضرب الدفوف. وهذا ما تفعله النساء البدويات في كل زمان. أما المحاربون فيغنّون "الحدا" وهم راكبون على صهوات جيادهم لمقاتلة الأعداء. ولنا في الشعر التالي شهادة على ذلك:

يا بنتْ ياللي عَالرَّصيفْ طُلّي وْشُوفي افْعّالِنا
وِاَنتوا غِواكِنْ شَعرْكِن حِنّا غِوانا خِيلِنا

 

لقد كان التهديد المُحيق بالأمة العربية كبيراً جداً منذ بداية هذا القرن، وهذا تمخض عن رفضٍ للمذلّة وأدّى للكفاح المسلح. وعبّر الناس عن هذه المشاعر بالأغاني وكان ذلك سبب مولد الأغاني الوطنية الحديثة.

وفي الفترة ما بين 1936 إلى 1948 وصل الصراع بين العرب واليهود إلى الذروة فكثرت لذلك الأغاني التي تمثل هذا الصراع ونورد الأغنية التالية كمثال لأغاني الزفات الوطنية لتلك المرحلة:

هِزّ الرُّمْحَ بْعُودِ الزّينْ
إنْتُوا يا شَبَابِ مْنِيَن
إحْنَا شَبَابْ فَلَسْطِين
والنِّعِمْ والنِّعِمْتين
فِي بَلْعَا وْوَادِي التِّفّاحْ
صَارَتْ هَجْمِة وْ ضَرْبِ سْلاَحْ

 

أما أغاني ما بعد (1948) فكانت تستصرخ الشعب وحُكام البلاد العربية وتدعوهم إلى الاتحاد لمكافحة التهديد الإسرائيلي وألا ينسوا فلسطين، الوطن السليب، وتستثير هذه الأغاني حماسهم وتحثهم على تحريرها. أمّا أغاني ما بعد (1967) فوجدت بالقدس وأماكن الضفة الغربية المقدسة موضوعاً يُضاف لما سبق من أغاني. وبالرغم من دعواتِ السلام ووصول دول عربية لاتفاقات سلام مع إسرائيل إلا أن الصراع ما زال مستمراً و كذلك مشاعر الحماس لاسترجاع الحقوق المشروعة مازالت حيّة.

 

  • أغاني حب الوطن:

تشير الأغنية التالية إلى حب الوطن، وأرض الأجداد:

عليكي مني السلام يا أرض أجدادي
ففيكي طاب المقام وطاب إنشادي

 

وتأخذ هذه الأغنية نفس لحن إحدى أغاني الحبّ والمسماة " عالروزنا ".

 

 

\"m11\"

 

مثال موسيقي رقم (6)أغنية عليكي مني السلام

 

لقد صَعُب على الفلسطينيين العيش خارج وطنهم وهم - بعد الهجرة والنكسة - يتسلّمون "الإغاثة" من الأونروا  ( UNRWA مما تتكرم به عليهم دول العالم. ولقد تذمر المغنون الشعبيون من هذا الوضع المحزن ، المؤسف فعبروا عنه بقولهم:

قال خسارة بعد العزّ نسكن الغيران
بلاد صحرا وشجرة ظِلّ ما فيها
  • أغاني في مديح الأبطال والملوك:

اعتاد الشعبُ الأردنيّ استقبال الملك حسين بالغناء والرقص أينما حلّ كما كان يستقبل جده الملك عبد الله فيما مضى وكما هي الحال الآن حيثما حلّ الملك عبد الله الثاني. ولقد استقبل سكان حوّاره – مرّة - الملك حسين بهذه الأغنية:

عا حُواره سَافْرِ المْلْكِ حْسِين عا حُوّاره
الله معاه الله

 

\"m12\"

 

مثال رقم (7)أغنية عا حُوّاره

 

وفي الليالي الظلماء يغني الناس أغانٍ في مديح الأبطال كالأغنية التالية التي يتصور قائلُها بطلاً رمزياً يستطيع أن يدفع الأذى عن الوطن:

هَبَّتِ النّارْ والبَارُود غنّى
تِسْلَمْ لِنَا يَا حَامِي وَطَنّا

 

3- الأغاني الدينية:

يُشكّل الدين عاملاً مهماً في فهم العقلية الأردنية لأن كثيراً من المعتقدات ذات أصل ديني. ويؤثر الدين على الغناء، ليس على الشعر فقط بل على الموسيقى أيضاً. ويعتقد البعض أن الإسلام – مثلاً - يسمح باستعمال آلاتٍ موسيقية معينة ويمنع استعمال سواها. وتضمّ موسيقى العالم العربي الدينية كلاً من الموسيقى المسيحية و التراتيل الإسلامية.

وبينما يكاد ينحصر استخدام الموسيقى المسيحية على الكنائس فقط، فإن استخدام أغاني الشعب المسلم أعمّ منها، وتُغنى في "الموالد" أي مولد الرسول الأعظم وفي المآتم وفي وداع الحجيج واستقبالهم و غير ذلك.

وفي اليوم الأربعين بعد الوفاة يُغني المنشدون- من ضمن ما ينشدون- أغنيات شعبية معروفة واضعين لها كلمات دينية تُناسب حالة الحزن وتتضمن طلب الرحمة والغفران للفقيد. وتَرِدُ مثلُ هذه الأغاني في حلقات الذِكر التي تُقام في زوايا المتصوفة أيضاً.

4- أغاني الغزل:

إن أكثر الأغاني الأردنية تندرج تحت هذا النوع وقد تكون التقاليد سبباً في ورود معظم هذه الأغاني على أَلْسِنَةِ الرِّجال. وتذكر بعضُ هذه الأغاني الصفات الجميلة للمحبوب، وتعبّر عن العواطف والأحاسيس (وأحزان الحبّ) تجاه المحبوب كأن تقول:

حسنك يا زين جنني وخلاّ لي عقلي طاير
ويلي يامّا
أنت سبب ضنايا و ما بتسأل شو اللي صاير
ويلي ياما

 

\"m13\"

 

مثال موسيقى رقم (10) أغنية حسنك يا زين

 

وتأتي النهاية الطبيعية للحب في الزواج. ولكن الفتاة قد لا تجد سعادتها فيه لأنها زُوِّجَتْ إلى رجل عجوز أشيب الشعر فيتغنى الشّيخ بأبياتٍ من "العلى دلعونا" راّداً على تذمرها ويقول :

على دلعونا وليش دلّعتيني
عرفتيني شايب ليش أخذتيني

 

ويقدّر العربُ أصلَ الفتاة الطيّب ويحترمون بشكل خاص زعيم القبيلة، الذي تحظى ابنتُه أيضاً بالاهتمام وهذا ما نجده في الأغنية التالية:

يا بِنْت أمير العرب يا امّ العَبَا الزّرقا
وابوكي شيخ العرب حاكم على البلقا

 

وعندما تغني المرأة الأردنية في الحب، تَنْشُدُ في الرجل شجاعَته وهذا ما تقوله فتاة لأمها في الأغنية التالية:-

آه يا يُمّا شردان ما اريدُه
واريد شبّ الغاوي بارودته بِيدُه

 

والفتاة تُخلِصُ لِحبيبها حتى لو طال انتظارها العمر كلّه فتقول:

يا غزيّل كُلُّه كُلُّه لَغيرك مش راح أقولُّه
لو طال الزمان كُلّه غيرك مَاني مْصَاحِبه

 

5- مواضيع أخرى للأغنية الشعبية:

  • الحكمة:

المغنّي رجل حكيم ويشعر بأن عليه واجبات تجاه جمهوره تجدُرُ تأديتها. ويعتقد بأن التسلية والمتعة ليست هدَفَ الغناء الوحيد.

هيِّن عليِّ يقطعوا راسي بسيف
يا نفس هيمي واطمعي عبد الشريف
وللخير وفعل الخير أنا قلبي رفيف
وحيِّ رجالي هلِّي من حولي لفيف
ويا نفس في حبّ التآخي والرقي
اتقدَّمي ولا تيأسي ولا ترجعي
  • أغاني العمل:

وهي قليلةُ في الأردن ولكن يوجد بعض أغاني الباعة المتجولين إلى جانب أغاني العمل القروي. وفيما يلي نورد ما يقوله بائع المرطبات بينما يقرع صنوجَه الصغيرة بغية لفت انتباه المارة.

تلج الجبل يا عطشان
اشرب وصلي على النبي

 

  • الملاحم الشعبية:

كان للناس شغف خاص بسماع الملاحم الشعبية. وكانت تروى في المدن والقرى على السواء. وكان "الحكواتي" أو "الشاعر" يحزّ أو يجر القوس على ربابته ويغني الأشعار التي تتضمنها قصص الأبطال الشعبيين أمثال أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد.

 

المصدر:

  • الحياة الموسيقية في الأردن، د. عبد الحميد حمام، وزارة الثقافة، عمان، 2008. "بتصرُّف"