البث التجريبي للتصميم الجديد
Khalil qnndil

ولد خليل محمد محمد العبسي المشهور باسم (خليل قنديل) في أربد عام 1953، حاصل على شهادة الثانوية العامة، عمل السنوات طويلة سكرتيراً لأتحاد كتاب وأدباء الإمارات العربية المتحدة، ويعمل حالياً نائباً لرئيس الدائرة الثقافية في جريدة الدستور، وأميناً لشؤون الداخلية في رابطة الكتاب الأردنيين، وهو عضو في الرابطة، وفي الأتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

 

مؤلفاته:

 

  1. وشم الحذاء الثقيل (قصص) رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، 1983.
  2. الصمت (قصص) اتحاد كتاب الأمارات، أبو ظبي، 1991.
  3. .حالات النهار (قصص) رابطة الكتاب الأردنيين، 1995.
  4. حوارات عربية (حوارات) أمانة عمان ورابطة الكتاب، عمان، 2002.
  5. عين تموز (قصص) وزارة الثقافة، عمان، 2002.

 

قصة:

 

عين تموز

خليل قنديل

الشمس اللاهبة تتوسط السماء، تلفح بهجيرها فراء الرؤوس المزدحمة في مجمع الباصات، تاركة في حركة الناس ذلك الإذعان الواهن الذي يجعل الأرجل غير واثقة من حركتها، بينما تتلمس الأيدي طلسماً من فراغ الظهيرة الساخن، في عماء خاص، يجمر الأشياء، يجعلها تبدو رخوة، وقابلة ربما للطهي!

مثل جيفة نتنة بدا المكان، وهو يهرس أصواتاً نحيلة لأطفال وسخين وهم ينادون على مشروبات باردة أو أوراق يانصيب. ويضم استطالة الحافلات ومعدنها المصمت بقسوة السخونة، بينما رغبة الجموع المزدحمة تبدو جامحة في البحث عن سماء ظليلة حنونة، غير هذي السماء التي بدت في وضوح شمس تموز مثل طاسة معدنية فارغة مثقلة بتلك الرائحة التي يطلق زمامها ارتفاع درجة الحرارة.. رائحة عتيقة تنطلق على نحو مباغت، لتستقر في الأنف بكل هذا الدبق!

وحدها الأم التي تمسك بابنتها من رسغها الناعم، والخارجة للتو من عتمة بيتها الرطبة، وسط تحذيرات زوجها بضرورة العودة مبكرة إلى البيت، والحفاظ على البنت من أولاد الحرام.

... وحدها كانت تود لو أن الأرض تنفلق، وتبتلعها وهي تمشي بخطوات مرتبكة بجسدها المثقل بالجلباب الأسود السميك الحواف، وبالإيشارب الأبيض المتسخ بالعرق الذي أخذ يرشح من رأسها.

كانت تعاني من دبق لحمها السمين داخل الجلباب، ومن ثقل تنفسها الذي يبعثه تلاصق نهديها المترجرجين، تاركة العرق الذي يفرزه هذا التلاصق اللدن ينزلق بقطرات متلاحقة فوق تكورات بطنها المترهلة.

ترغب للحظة في أن تمد أصابعها لتحك بطنها استجابة للعرق الذي أخذ يستقر في سرتها، لكنها تحس بنبض رسغ البنت الذي بدا كضوء أبيض من بين أصابعها المفلطحة.

تنتبه للباص.. تراه بعيداً، وتمشي بينما تتراقص نظراتها بأمية يلفها توجس أحست به يقبض على قلبها.. خائفة على البنت من زحمة الباصات، وتكاثر الجموع حولها.. وشمس تموز!

تضخم خوفها على آخر العنقود. ورأت جبينها الوضاء، ورموشها النابتة بتحد وهي تحمي العينين العسليتين. رأت بروز أرنبة الأنف.. فرحت حينما لمحت التكور الصغير لنهدي البنت مثلما فرحت أيضاً لنظافة وجه البنت وسط كل هذه اللزوجة والعرق.

لكنها أجفلت فجأة، بسبب مراقبتها للبنت بكل هذا النهم المباغت، وأسرعت نحو الباص، وهي تلعن في سرها أختها التي تسكن في الضواحي النائية والبعيدة عن العاصمة، وتلعن هذه الزيارة، وهي تتحسس القروش القليلة في جيبها، والتي بالكاد تكفي للذهاب والإياب!

دخلت وابنتها في الازدحام المتناسل عند بوابة الباص المتحاشية سطوة السخونة في الملامسة والاحتكاك.. وهي تحاول أن تبحث عن طريقة تجعلها تقاسم البنت مقعدها، بحيث تدفع هي والبنت أجرة مقعد واحد.

الأم الباخنة والمدربة على مثل هذه المواقف اختارت الجلوس بجانب شاب نحيل بحيث تركت مسافة كي تُجلس البنت.. ألصقتها بجانبها وهي تتمتم بكلمات تشبه الدعاء.

ضجة كبيرة مرتبكة خلقتها حركة الركاب وتلامس أجسادهم بعضها ببعض وبالمقاعد، ومحاولتهم فتح النوافذ.

يد السائق التي امتدت إلى مفتاح الراديو الذي أطلق أغنية متهورة وساذجة، أسكتت الضجة والهمهمات داخل الباص. ومع تحرك الباص، امتدت يد الأم وهي تلكز البنت وتشير لها أن تجلس هنا أمامها على القاطع المعدني المرتفع قليلاً، والذي يفصل السائق والمقاعد حوله عن باقي مقاعد الركاب.

البنت نهضت بخجل أنثوي مبكر، وجلست، أحست بمعدن وسخ يلسع لحم ربلتيها، وسخونة مرتجفة تحتها، وبهواء ساخن يعبر من بين ساقيها.. تاركة الارتجاف يلامس لحمها، يدغدغه، ويحرك فيه لذة غامضة.

نظرت إلى استطالة الباص، وإلى الوجوه النابتة من المقاعد.. هالها للحظة أنها تجلس قبالة جميع الركاب.

هربت بنظرات مرتبكة نحو النوافذ أطلت على التماعة سرابية ساخنة ملاصقة للطريق، انجذبت بنظراتها داخل الباص.. أحست أن نظرات الركاب تنصب فوقها مرة واحدة، هربت بنظراتها نحو سقف الباص، لكن سرعان ما أحست بنظرة جاذبة، تشدها نحو المقاعد، والوجوه المصوبة نحوها.. هبطت بنظراتها.. أجفل جسدها كأنها وقعت في فخ ما.

رأتها: امرأةٌ عجوز، بوجه مثقل بتجاعيد ذات مسامات جافة، وتغطي شفتها السفلى نقاط زرقاء لحمية باهتة تتدلى بخيوط زرقاء نحو الذقن.

ارتخت نظراتها وهي تراقب وشم العجوز، نظرت في عيني العجوز وهي تحس أنها تأخذها إِليها.. نحو حفرة النظرة وبئر العينين. أحست أن العجوز تأخذها تماماً، تخدر جسمها، وهي تنسحب تدريجياً من لفح هواء تموز الذي كان يعبر نوافذ الباص، وبدا لها أن حدقتي العجوز اتسعتا حتى أصبحتا بحجم الباص! وأنها بدأت تدخل تدريجياً في اتساع العينين، وتغرق في زرقة سماوية نظيفة لسماء بعيدة، طازجة لم يمسها دخان. أحست أن الأزرق الباهت النائم في لحم وشم العجوز يمنحها طمأنينة واثقة، وأنها بدأت تهبط من سماء العجوز النظيفة وهي تلامس غيوماً قطنية.. نحو سهوب خضراء، وأشجار ظليلة حانية تحيط بها ينابيع منبثقة من جبال شامخة، بماء مثلج.

وفي لحظة كالومضة رأت نفسها تعبر عارية وسط حيوانات أليفة، ووحوش مروضة وقطعان من الثيران تحتك مسرعة بجوانب ساقيها.. وأحست بتنمل في باطن قدميها وهي تدوس عشباً مبللاً يحرس بلله الذعر الكامن في أصوات الحيوانات.

البنت الجالسة على القطاع المعدني والذاهبة في اتساع عيني العجوز، أحست برغبة في أن تثغو خوفاً من الطبيعة التي تحاول أن تأكل عريها والتماعة بياض بشرتها وسط الامتداد الأخضر.. هاجمتها لحظة فرح غامرة، حينما رأت شلالاً صغيراً يصب ماؤه في حفرة واسعة ركضت باتجاهه، ورمت جسدها وسط الماء، فرحة كضفدع صغير، عاودت القفز وهي تنثر الماء حولها.

لاحظت أن العجوز قد أغمضت عينيها فجأة.. أصابها الذعر وهي ترى نفسها، داخل عتمة داكنة تحيط بها، وبرية سوء تمتد من شقوق أرضها أشعة نحيلة، لشمس بخيلة.. لكنها متسلطة ولاذعة، انتفض جسد البنت، وشهقت، لم تنتبه أمها التي أخذها النوم وأرخت برأسها فوق كتف الشاب، عاودت النظر إلى المرأة العجوز، رأتها نائمة بلذة وهي تبتسم!

ارتبكت وهي تنظر للوجوه التي أمامها، رأت نفسها تغرق في بحر الأعين.. أحست بأيد ذات مخالب تمتد من الأعين تأخذها تمزق ثيابها، وتنهش من لحمها، أخذ جسدها يرتجف بينما أخذت حمى ساخنة تنفخ في عروقها.. عاودت النظر إلى العجوز النائمة وسط لذتها.. ازدادت السخونة في جسدها وفي لحظة ذعر، صرخت، نهضت الأم وهي تبسمل.. بينما توسدت البنت أرض الباص الساخنة، وهي تخرج صوتاً كالثغاء، ازداد تعرق جسد الفتاة، وتجمهر الركاب حوله وهي تئن بينما أخذت أمها تصرخ وهي تدفر تزاحم الركاب حولها قائلة:

\"عين أصابت البنت. عين لم تصل على النبي\".

تشنج جسد البنت، كأنها رأت العجوز تنهض من مقعدها، وتنسل من بين الركاب.. تذهب رويداً.. رويداً نحو سهوب مجاورة للطريق.. وتغيب.

مدت البنت أصابعها نحو جسدها، وأخذت تقرص جلدها وهي تحس أنها تخلع أعينا كثيرة تلتصق بجسدها وتتكاثر وهي تأكل عريها.. حدث هذا وسط دهشة الركاب.. وهلع سائق الباص.. الذي أوقف الباص وأدار ظهره لمقوده وهو يلعن شمس تموز التي تلحس عقول الناس!.

*من مجموعة \"عين تموز\".