Black & White
زياد الزعبي
-A +A

ولد الدكتور زياد صالح الزعبي في جفين عام 1955، تخرج من الجامعة الأردنية عام 1978 حاصلاً على بكالوريوس لغة عربية، وأكمل دراسته العليا حيث حصل عام 1982 على ماجستير في الأدب الحديث من الجامعة نفسها عام 1982، وحصل عام 1987 على دكتوراه في الفلسفة (النقد الأدبي) من ألمانيا عام 1987، وقد عمل خلال السنوات 1978-2003 مدرساً في جامعة اليرموك، وفي جامعة جيسن الألمانية، وفي جامعات ومعاهد عديدة، كما عمل نائباً لعميد شؤون الطلبة في جامعة اليرموك، ومشرفاً على موسوعة الحضارة الإسلامية في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسةة آل البيت).

وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد الكتاب العرب، وكان عضواً منظما ًومشاركاً في مؤتمرات النقد الأدبي (الثالث، الرابع، السابع، الثامن) التي عقدتها جامعة اليرموك، كما شارك في المؤتمر الدولي الرابع للحضارة الأندلسية المنعقد في القاهرة عام 1988، ومؤتمر قضايا المصطلح النقدي الذي عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر عام 1998 وغيرها.

وقد حصل على جائزة جلالة الملك للتفوق في الدراسات اعليا عام 1982.

مؤلفاته:

  1. عشيات وادي اليابس، ديوان مصفطى وهبي التل تحقيق ودراسة، طبعتان طبعة1 عمان 1982، ط2 بيروت 1998.
  2. العلاقة بين الشعر والنثر في نظرية الأدب عند العرب (باللغة الألمانية) برلين 1987.
  3. على هامش العشيات (1)، بيروت 1999.
  4. مرايا الكلام، دراسات ومقالات في الأدب الحديث (تحت الطبع).
  5. رباعيات الخيام، ترجمة عرار، (تحت الطبع).
  6. ظواهر في الأدب العربي (بالاشتراك) وزارة التربية والتعليم عمّان 1995.
  7. تاريخ الأدب العربي (بالاشتراك) وزارة التربية والتعليم، عمّان، 1995.
  8. الشرق والغرب واللقاء المستحيل في كتاب \"بحوث عربية مهداة إلى الدكتور محمود السمرة\".
  9. الموضوعة الغجرية في شعر عرار، (مشترك) ضمن كتاب الحلقة النقدية لمهرجان جرش 2000
  10. نص على نص، أمانة عمان الكبرى، عمان،2002

الأثر العربي في غنائات الحب الألمانية (Minnesang)
د.زياد الزعبي
-1-
تقع مسألة البحث عن أصول غنائيات الحب الألمانية (Minnesang) والتأثيرات العربية فيها في إطار بحث علاقات التثاقف بين الحضارة العربية الإسلامية وأوروبا في العصور الوسطى، تلك العلاقاتا التي شكلت وما تزال مركباً ثقافياً معقداً تتداخل حلقاته وعناصره زمانياً ومكانياً استناداً إلى سلسلة لم تنقطع من عمليات الامتداد والارتداد المتبادلة للتي حكمت العلاقة بين الطرفين، مما جعل الحدود بنيهما، بين عالمي الشرق والغرب، حدوداً متحركة جغرافياً وثقافياً. وقد ترتب على هذا الوضع تكوّن شبكة معقدة من التأثيرات الثقافية المتبادلة، تداخلت خيوطها وتشابكت على نحو أصبحت معه محاولة التمييز بين الخيوط الخالصة التي تملكها الذات، وتلك التي يملكها الآخر أمراً شائكاً يحتاج إلى بحوث ودراسات عملية متعمقة وموسعة، وهو ما فعله الأوروبيون بخاصة منذ أصبحوا أصحاب الثقافة المتفوقة التي تتأمل خيوط نسيجها الثقافي وندرسه في ضوء مناهجها العلمية الحديثة.
في هذا الإطار الكبير برز الاهتمام الأوروبي العميق بدراسة غنائيات الحب في أقطار القارة المختلفة: فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والنمسا، وألمانيا. وغنائيات الحب موضوع الدراسة ظهرت، ابتداءً في مقاطعة بروفنس، جنوب فرنسا، في القرن الحادي، وامتدت من هناك –بعد ذلك- إلى مناطق مختلفة من أوروبا، وأخذت غير مسمى، فقد عرفت بالشعر البروفنسي، وشاع مصطلح \"التروبادور\" Troubadour، في فرنسا واشتهر، أما في ألمانيا فقد استخدم مصطلح ألماني للدلالة على هذا النوع من الغنائيات وهو: Minnesang (مينيزانغ)، وهو يتكون من كلمتين: الأولى منه Minne ومعناها حب، وهي ترادف الكلمة الألمانية الشائعة Liebe، إلا أنها لا تستخدم إلا في اللغة الشعرية، وينصُّ القاموس الألماني على كونها مفردة تنتمي إلى العصور الوسطى، وترتبط بغنائيات الحب التي كتبها الفرسان سعياً إلى خطب ودّ المرأة وحبها آنذاك، أما الكلمة الثانية فهي Sang، وتعني الغناء، وهي الكلمة الشائعة في اللغة الألمانية المعاصرة، وبالتالي تكون الترجمة الخرفية للمصطلح \"غنءا الحب\"، لكن المصطلح مركباً (Minnesang) يعرف في القاموس بمقابله LiebesLyrik أي غنائيات الحب.
-2-
إن أبرز ما يميز غنائيات الحب الألمانية مضموناً أنها غنائيات تبجل المرأة وتعلي من قدرها، وتعبر عن السعي إلى رضاها، والفوز بحبها مستخدمة أسلوباً شعرياً راقياً يتمتع بقدرٍ عالٍ من الفنية، يقوم على أساس البيت الشعري، وعلى مقاطع شعرية تتعدد قوافيها وتلتزم على نقس معين، وهذا الشكل الفني الراقي، إضافة إلى مضمونه القائم على التغزل بالمرأة غزلاً رفيعاً سامياً، لم يكن مألوفاً في المجتمع الأوروبي آنذاك آثار تساؤلات كبيرة حول أصول هذا الفن الغنائي ومساربه إلى أوروبا. وقد أثارت هذه التساؤلات بدورها موجات متتالية من الدراسات قتام بها باحثون من أقطار أوروبية عديدة طرحت نظريات وفرضيات مختلفة حول أصول غنائيات الحب الأوروبية ومنها الـ (Minnesang)، ومن أهم هذه النظريات في نظر الباحثين الغربيين – النظرية التي ترى أن غنائيات الحب الأوروبية نشأت بفعل تأثيرات عربية أندلسية. وسأركز هنا على آراء الباحثين الألمان في هذه القضية، مبرزاً التصورات الرئيسة التي طرحوها حول التأثير العربي ومساربه وصوره.
يعود الاهتمام بدراسة شعر المينيزانغ (Minnesang) وأصوله إلى مرحلة مبكرة في تاريخ الأدب الألماني إذ بدأ هذا الاهتمام في القرمن الثامن عشر، عصر مذهب الإنسانية (Humanismus) فقد نرظ آنذاك إلى هذه الغنائيات باعتبارها وصفاً علمياً وفخراً وطنياً. وكتب بودمير (Bodmier) أولى الدراسات في عام 1748م وهي بعنوان:
Proben der alten Schwabishen poesie des 13, Jahh.
(نماذج من الشعر تالشقابي القديم في القرن الثالث عشر). وقد وردت في هذه الدراسة إشارات إلى الأثر العربي في هذا الشعر.
وفي الحقبة الرومانسية تنامى الاهتمام بغنائيات الحب، ونظر إليه على أنه شعرٌ شعبي، كما دُرس نقدياً وتاريخياً ولغوياً. في حين ركزت الدراسات المعاصرة، وبخاصة منذ مطلع هذا القرن على دراسة أصول غنائيات الحب، وعلى مضامينها الاجتماعية.
-3-
من أهم ما يلفت اهتمام الباحث أن دراسة الألمان أصول غنائيات الحب لديهم قد برزت بصورة موجة من الدراسات المتلاحقة المكثفة منذ بداية هذا القرن بخاصة منذ 1918 هذا القرن، فقد حفلت المجلة الربعية لدراسات الأدب (علم الأدب) والتاريخ.. الألمانية على سبيل المثال بالعديد من المقالات التي تتناول أصول غنائيات الحب، ومضامينها وأسلوبها الفني. ولعلي أستطيع أن أردّ هذا الموجة من الدراسات في ألمانيا إلى الموجة المثيلة في إسبانيا – وبعض الأقطار الأوروبية الأخرى – التي أثارتها الدراسات التي نشرها خوليان ريبرا عام 1912، والتي ذهب فيها إلى أن الشعراء البروفانسين الفرنسين \"شعراء الترودبادور\" وهم أول من عالجوا الشعر الغنائي في أوروبا لم يفعلوا أكثر من تقليد نماذج الوشاحين والزجالين الأندلسين\". أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية (ص39).
ومن أهم الأبحاث التي ظهرت حول أصول غنائيات الحب الألمانية في هذه الفترة دراسة كونراد بورداخ (Konrad Burdach) المعنونة: \"حول أصول غنائيات الحب في العصر الوسيط\" المنشورة عام 1918م. فقد رأى بورداخ أن دخول مفهوم جديد للحب إلى التاريخ الأوروبي يمثل انقلاباً في مجمل الحياة الأدبية في العصر الوسيط، وأن هذا المفهوم الجديد لم يكن له ما يماثله في أوروبا، وبالتالي –حسب رأي بورداخ- فليس ثمة إمكانية في أن تكون غنائيات الحب هذه قد تطورت اعتماداً على الأدب المحلي)، فقد وجد أن لا مناص من القبول بنظرية التأثيرات الخارجية الحاسمة، ورأى أن ضرورة الأخذ بنظرية التأثيرات الخارجية ترتبط ابتداءاً بالصيرورة التاريخية لـ -مينيزانغ \"وليس بالجانب الروحي فيه. وذهب بورداخ بناءً على هذا إلى القول: إن التأثيرات العربية الأندلسية القادمة عبر بروفانس –جنوب فرنسا- قد لعبت الدور الأكبر في نشوء المينيزانغ وتطوره. صحيح أن بورداخ قد سبق إلى هذا التصور الذي نجده عند بودمير Bodmier وهيردر، وسنجر، لكن دراسته تمثل تحولاً مهماً قائماً على بحث علمي دقيق موسع للمسألة. وهذا ما جعلها مثار جدل بين الباحثين الذي أنقسموا تجاه أطروحته إلى فريقين: الأول ينكر عليه رأيه ويذهب إلى نفي أن تكون هناك أيّ تأثيرات عربية في غنائيات الحب الألمانية، وعلى رأسهم (Scheludko) الذي نشر بحثاً مطولاً بعنوان: \"مساهمات في تاريخ نشوء الأدب البورفنسي القديم\" عام 1928م، ختمه بالقول: إنّ النظرية العربية حول أصل الشعر الغنائي البروفنسي ليس إلا (ضلالة) وإننا لنقف على أرض ثابتة في معالجتنا هذا الشعر الغنائي(minnesang) إن نحن تركنا مثل هذه الضلالة تقبع مستريحة في أرشيف علم التاريخ\". وقد تابعه بعض باحثين آخرين في رأيه هذا.
أما الفريق الثاني فيمثله أولئك الذين قبلوا نظرية بورداخ في صورتها العامة، وحاولوا إدخال إضافات، أو تحديدات عليها، ومن هؤلاء إيركمان Erchmann الذي نشر في عام 1931 بحثاً بعنوان Der Einfluss der arab span. Kultur auf die Entwicklung des Minnesangs الأثر الثقافي العربي الإسباني على تطور غنائيات الحب \"درس فيه على نحو موسع صورة الثقافة العربية في الأندلس ومسارب الاتصال بنيها وبني أوروبا وعلى وجه الخصوص في إسبانيا وجنوبها ليصل إلى نتيجة مؤداها القبول بالتأثيرات العربية في غنائيات الحب الألمانية.
وأريد أن أشير إلى أن مسألة التأثير العربي في غنائيات الحب الألمانية وقبلها في غنائيات الحب الأوروبية بعامة قد أصبح بعد ذلك أمراً يرقى –على نحو عام- إلى درجة المسلمات. فالمعاجم الآدبية واللغوية، وكتب تاريخ الأدب الألمانية –مثل كتاب F.Martini مثلاً- تذهب في عرضها هذه الغنائيات إلى الحديث عن الأثر العربي باعتباره الأكثر حضوراً وقبولاً من جميع النظريات التي بحثت في أصول غنائيات الحب الألمانية. بل إننا لنصل مع الألمانية المعروفة في العالم العربي زيجريد هونكه إلى درجة الإيمان القطعي بالتأثير العربي في غنائيات الحب الألمانية، هذا الإيمان الذي عبرت عنه بلغة فيها كثير من الحماة والرومانسية الجميلة تقول:
\"وكان أن جاء الغزل العربي بما فيه من إجلال للمرأة وتودد إليها، والتماس رضاها، غزلاً جديداً كل الجدة يتعارض مع ما كان معروفاً في الغرب من تربية كلّ التعارض، جاء كالإعصار من فوق جبال البرانس إلى فرنسا وإيطاليا والنمسا، فطبع قرناً من الزمان بطابع الإهلال والطلاوة وانتقلت مع الغزل مضامين وقوالب شعر الغزل العربي... وتعلم الألمان بدورهم شعر الغزل المعروف باسم المينيزانغ من شعر الترويادور في جنوب فرنسا، واهتزت أوتار جديدة كل الجدة في كيان الألمان، واكتسى القالب العربي بطابع ألماني أصيل، وبلغ عمقاً نتيجة مثالية ألمانية جديدة... [وظلت] قوالب وحركات الغزل العربي والعبارة المتذللة الطامحة النبيلة والتي يتطلع بها الرجل إلى الجوهر الأنثوي الخالد المتسامى إلى الريوبية، لم تختفِ منذ ذلك الحين من الشعر الغزلي الألماني.
-4-
إن معاينة بعض النماذج الشعرية من غنائيات الحب الألمانية، ليقدم تصوراً واضحاً عن عناصر الإلتقاء بين عناصر الغزل العربية وتجلياتها في هذه الغنائيات، ولعل أول العناصر المضمونية التي يمكن الوقوف عليها تتمثل في أن شعر غنائيات الحب الألمانية تتمثل في تغزل العشراء غزلاً رفيعاً سامياً، يقوم على تبجيل المرأة، والسعي إلى الفوز بحبها ورضاها، وتدخل في هذا الإطار الغزلي عناصر من سعادة الحب وألمه والشوق والقلق، والغيرة، والوداع، والرقيب. وهي عناصر ممثلة بعمقوشمولية في الشعر العربي (انظر F.Matini S. 61) وهذا التوازي في العناصر بين غنائيات الحب الألمانية والشعر الغزلي العربي بحثها الألمان في إطار ما يعرف \"تاريخ الموتيفات\" فقد وضع Lawrence Ecker كتاباً بعنوان \"غنائيات الحب العربية، البروفنسية والألمانية، بحث في تاريخ الموتيف\"، عام 1934. وقد تتبع فيه الموتيفات العربية في شعر الغزل وتجلياتها الواضحة في غنائيات الحب الألمانية.
أما في الإطار الشكلي فإن البناء المقطعي القائم على تعدد القوافي والغنى الإيقاعي، والتبادل الحيوي بين المقطوعات والأبيات الشعرية المختلفة الأطوال التي يقوم عليها شعر غنائيات الحب، قد مثلت نقطة التساؤل المركزية حول أصولها الشكلية التي لم تكن شائعة في أوروبا، وبخاصة القافية، وقد وجد الباحثون في الدراسات الألمانية أن هناك لقاءً واضحاً بين هذه الغنائيات والشعر العربي الأندلسي وعلى وجه الخصوص عناصر القافية، والمقطعية، واختلاف الطول في الأبيات مما يقوي من مواقف القائلين بأطروحة التأثير العربي في غنائيات الحب الألمانية التي لا يمكن لنا أند ندرسها بمعزل عن مثيلاتها في الآداب الأوروبية الأخرى والتي يجب كذلك أن تتم على ضوء مقارنات معمقة في المواقف والأبحاث التي قدمها الباحثون في إسبانيا، وفرنسا بخاصة؛ لأن ظاهرة غنائيات الحب ليست ظاهرة (قومية) بل إنها تأخذ الطابع العالمي، بدءاً بانتقالها من الشرق، وتوطنها في الغرب، ومروراً بالتحولات التي أصابتها والتأثيرات المتبادلة التي تعرضت لها.