سليمان الطراونة

ولد سليمان داوود الطراونة في الكرك في الثاني من نيسان لعام 1956. أحب الأدب واللغة منذ صغره. درس الهندسة المدنية نزولاً عند رغبة أسرته، وحصل على الشهادات الجامعية الثلاثة في مجال الهندسة المدنية. درس الهندسة، وأشرف على تنفيذ العديد من المشاريع الهندسية، إلا أن ذلك كله لم يسرق منه حبه القديم (اللغة والأدب) فعاد وبعد حصوله على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية بأربع سنوات ليدرس الأدب العربي.

شارك في عضوية العديد من الهيئات الثقافية والنقابية في الأردن، منها:

رابطة الكتاب الأردنيين.-الملتقى الثقافي في الكرك.-نقابة المهندسين.

كتب مجموعة من الأبحاث الأكاديمية في حقل الهندسة المدنية، كما كتب في الرواية وفن القص والدراسات الثقافية والإنسانية.

مؤلفاته:

  1. مقامات المحال، رواية، المؤسسة العربية، بيروت، 1991
  2. مقامات التحولات، مجموعة قصصية.
  3. البتراء الأم القدراء ، رواية.
  4. دراسة نصية في القصة القرآنية.
  5. ابتهالات ثقافية. دار أزمنة، عمان، 1994
  6. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

حضارة النص
د.سليمان الطراونة
إطلالة...
ما من حضارةٍ ساورتْ هذه البسيطة إلا وكان نصُها المنصوص عليه أو غير المنصوص هو ميسمها الأول حتى لو لم يكن الأبرز، لكن النص في سلسلة الحضارة السامية العربية الإسلامية ليس الأبرز فقط وإنما الأشمل، فكانت منذ بداياتها الأولى حضارة نص بامتياز! في حين شغلت نصوص الحضارات الأخرى حيزا ًواسعاً من بنياتها لكن بقي انسحارها بنصها يقع في الدرجة الثانية أو الثالثة بالنسبة لمظاهرها الأخرى التي شغلت وتشغل مخيالها الحضاري، أمّا في الحضارة السامية العربية الإسلامية فقد كان الانسحار بالنص هو أساس مخيالها الحضاري!
***
فالحضارة الفرعونية حضارة الخلود أو الموت سيان كان نصها الأكثر دوراناً كتاب الموتى، لكن مظهرها الأبرز هو الخلود في الإنجازات التي تدحر الموت كما الإهرامات والمعابد والتماثيل الضخمة، فكانت حضارة الموت في نصها وحضارة الخلود في مدافنها التي ما زالت تدهش الدنيا!
***
والحضارة الصينية القديمة والوسيطة وحتى الحديثة التي زاحمت روح الشيوعية إذا كانت لها روح، هذه الحضارة نصوصها تستحيل إلى تعاليم، وممارسات قادة فكرها تستحيل إلى تقاليد متوارثة ومرعية، حتى اختلطت التعاليم بالتقاليد في كل مستويات الحياة، فأصبحت حضارة تعاليمية بامتياز!
***
أما الحضارة الهندية المرتبطة في جذورها بنصوص اللغة السنسكريتية وغيرها من اللغات القديمة كانت وثنية في ظاهرها روحانية في جوهرها تنشد الحكمة الدنيوية من أجل الخلاص النهائي، ورغم أن نصها بشتى مظاهره ولا سيما الدينية شغل حيزاً من وجدانها إلا أن الدين بكل تشققاته ما زال يُشقيها، ونصوصها تشق عليها أكثر مما تشق على غيرها!
***
والحضارة الفارسية القديمة والوسيطة نصها الظاهر للعيان يتمثل في آداب السلوك وآداب التهذيب للرعية والملوك، ولقد انسحرت بمحتوى هذا النص بكل مظاهره وحكمه، لكنها لم تنسحر بالنص لذاته بالقدر الذي حصل في الحضارة السامية العربية الإسلامية، فنص هذه الحضارة شغلها واشتغل بها وخلّدها لكنه لم يكن غايتها كما في حضارتنا.
***
والحضارة اليونانية نصوصها الفلسفية والأدبية والأسطورية والتاريخية والسياسية والفنية لم تنبثق من فراغ وإنما كانت نتيجة نضجت بسرعة نسبياً لهضمها وابتكارها لما تلقته من الحضارة الفرعونية والسامية، فجعل الحجاج السياسي والفلسفي المكانة الأبرز للمنطق وشبه المنطق وللأغاليط المنطقية عند السوفسطائيين، حتى أن اللغة أم النصوص جاءت لفظتها في اليونانية من اللوغوس الذي جاءت منه لفظة المنطق لتدلل على أنه ونقائضه مظهرها الأبرز.
***
أما الحضارة الرومانية فلقد اجترّت نصوص الحضارة اليونانية والحضارات الأخرى التي وقعت تحت سيطرتها، وأعادت إفرازها على شكل قوانين وفلسفة عملية للحكم للإمبراطورية المترامية الأطراف المتعددة الرؤى والقوى والقوميات، ورغم مسيحيتها المتأخرى إلا أنها بقيت مادية الرؤية في صياغتها لقوانينها التي تُمثّل نصها الأشهر، الذي لم يكن فيها مقصوداً لذاته، وإنما لتقوية قبضتها على الشعوب الأخرى من خلال الدعاية لفلسفة وقوانين الدولة العالمية كما هو حال النظام العالمي الجديد، فحكمتها سياسية عملية إمبريالية!
***
هذه الإجتزاءات والتعميمات لم تقصد القبض على روح النص الأشهر في الحضارات المطروقة هنا بل الإشارة المقتبضة إليه قبل الدخول في حمى حضارة النص العربية الإسلامية المقصودة في هذه المقالة.. فالإجتزاءات والتعميمات رغم عمايتها إلا أن لها ما يبررها هنا لأن العلامة أسبق إلى العين من الدلالة إلى الوعي..
***
ورغم أن مظاهر هذه الحضارات ومظهر حضارتنا غير أسطورية النص للوهلة الأولى وحتى للوهلة المئة، لكن من أرجع النظر يجد أن المرجع الأسطوري (الميثي) متفشٍ في كافتها، لكنه في حضارتنا العربية الإسلامية السامية يشمل مناطق واسعة من عقليتنا وإحساسنا ومخيالنا الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني. فرصيدنا الأسطوري في نصنا الحضاري بكل تفرعاته يكاد يملكنا بخصوصيته المذهلة مع عدم إغفال التلاقح المخيالي عبر الاحتكاكات المتكررة سلماً وحرباً!
***
وحتى موروثنا النصي الشفوي والمكتوب الذي يتركّب من مفردات نصية غير أسطورية في ظاهرها تربط مفرداته شبكة أسطورية من العلاقات النصية المترسّخة عبر القرون، وليس من عجب أن نرى الماضي دائم الترميم لذاته بذاته كما تتناسخ الأساطير، وتأخذ هذه البنية الأسطورية قوالب أو بنى أبعد ما تكون في ظاهرها عن النص الأسطوري مثل العلموية والثقافوية والعروبوية والإسلاموية في نصوصها الانفعالية أو حتى المعقلنة، لكنها تبقى مثقلة بالميثية المتخفية في عباءات نصية أسطورية ترقد خلف كل النصوص.
***
هذه الأسطرة المغرقة في تجذّرها في عقليتنا وفي نصوصنا الحضارية ليست لعنة، وإنما اللعنة الإدعاء بعدم وجودها أو بزوال أثرها أو بإغفالها، كأن هذا الإدعاء والإغفال يحل المشكلة! ولا خروج لنا من تناسخات الأسطرة إلا بالاعتراف بها لتجوز آثارها أو للانطلاق منها كما انطلق غيرنا!
***
فالقاع الأسطوري لنصنا كلما تلمسناه نبضت تضاريس عوالمنا الداخلية تحت أيدينا، فنجد نبض هذا القاع الثري في اللفظة المفردة المثقلة بالزخم الأسطوري، وفي بنية التركيب المعجون بدم الأضاحي الأسطورية! فتتركّب بذلك الدلالات وتتوالد توالد المعنى واللامعنى، فالأسطورة هي أصل المعرفة كما أن الماء هو أصل الحياة، فنصوصنا كلها حشد من الإيماءات الأسطورية وشبهه الأسطورية المتداخلة والمتخارجة كما الحياة، نتلمّس نبض هذه الإيماءات في البنية والشظايا فنرى الخفاء والانمحاء!
***
هذه الميثية المتغلغلة في النسيج الداخلي لنصنا الحضاري تتمظهر في نصنا اللغوي والأدبي والديني والسياسي والفكري، وفي تناصنا الثقافي مع غيرنا ولها مظاهر أخرى لا يستع لها المقام!
*من كتاب \"ابتهالات ثقافية\".