Black & White
سمير اسحق
-A +A

ولد سمير إسحق في يافا عام 1944، درس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة دمشق لمدة سنتين، يمارس الأعمال الحرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

مؤلفاته:

  1. غريب على نهر هدسن، مجموعة قصصية – دار الكرمل، عمان، 1988.
  2. الرحيل، مجموعة قصصية، دار الكرمل -1989.
  3. عذاب على الشاطئ الشرقي، رواية، دار الكرمل، عمان، 1990.
  4. الاعتراف، مجموعة قصصية –دار الكرمل، عمان، 1992.
  5. سراب الماضي، مجموعة قصصية، دار الكرمل، عمان، 1993.

قصة:

المرأة والخباز
سمير إسحق
ما جرى في حارتنا في ذلك اليوم يحير العقول.. كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري.. سمعت صراخاً يأتي من البيت الذي يقع خلف بيتنا.. كان حاداً وعنيفاً.. وقامت قيامة الحارة.. واتجه الكثيرون... رجالاً ونساءً إلى مصدر ذلك الصراخ.. كان الوقت ظهراً.. وشمس آب تفرقع لهبها على جو البلدة.. واتجهت أنا وأمي إلى حيث كانت أم فارس واقفة تلطم خديها بيديها ثم تشد شعرها.. كنا أسرع الناس لرؤية ما حدث.. دخلت أمي ذلك البيت المصنوع من الطوب.. وأرعبها ما رأت.. أهذا معقول.. غير معقول ما تراه عيناها.. واتجه نظري إلى ذلك الشيء ولهول ما رأيت.. رجلاً يلتف حول عنقه حبل.. يتدلى برجليه بالهواء وتحته كرسياً لا حركة تصدر منه.. وكان منظره يثير الرعب والقثيان.. وهتفت أمي.. بعد أن أمسكت أم فارس من كتفيها..
-يا إلهي.. ماذا حدث.. ماذا حدث.
وأخذت المرأة تولول وتصيح
-ويلي شنق الرجل نفسه.. يا ويلي... قلته الخائنة.. ويلها من ربنا.. الله يجازيها بنت..
وفكرت.. ماذا تقول هذه المرأة.. ولماذا تشتم زوجته الخائنة.. ولماذا خانته.. وما هي القصة وراء شنق الرجل لنفسه.. وحاولت أن أسأل أمي عن الموضوع.. ولكنها نظرت إلي نظرة ذات معنى فسكت.. أما أهل الحارة فلقد تجمعوا خارج الغرفة وهم يضربون أخماساً بأسداس..
-راح الرجل بشربة ميه
-الله يخرب بيت اللي كان السبب....
-لقد هربت مع الخبّاز وتركت زوجها وأولادها يعانون المشاكل.
-هو سبب كل المشاكل.
-هل رأيتم الأولاد..
-لقد هربوا.. لقد كان المنظر أقوى من مشاعرهم.. وأحاسيسهم الصغيرة..
-هل فتشتم عليهم..
وسألت أمي أم فارس التي كانت مذهولة وتصرخ بأعلى صوتها...
-ماذا حدث يا أم فارس وكيف شنق الرجل نفسه..
-والله يا أختي لا أعلم كيف حدث.. ولماذا فعل ذلك ولكنها هي السبب.. المجرمة.
-تقصدين زوجته.
-آي نعم... العاهرة.. ياما حذرته منها وقلت له طلقها يا رجل ولكنه لم يسمع ولم يرد...
-وكيف اكتشفت موته.
-كنت مارة عليهم كعادتي لأطمئن عليه وعلى الأولاد ومعي شوية أكل لهم.. وعندما اقتربت من البيت سمعت صوت الأولاد يبكون.. دخلت الغرفة فإذا الرجل معلقاً بجبل يتدلى جسمه بلا حراك
-الله يساعدهم يا أم فارس...
-لقد كان منظراً يقطع القلوب.. وفي نفس الوقت فإنه مخيف..
-إنه رجل مسكين.. والمشكلة الآن الأولاد.. الله يكون بعونهم لا أب ولا أم.. على فكرة أين ذهبوا..
-لقد أرسلتهم إلى بيتنا وهم في أمان
ومع ذلك فلقد علقت أمي على منظر الرجل..
-والله عجيبة رجل بضخامته يشنق نفسه من أجل امرأة.. يا للمصيبة...
-هي شوية اللي عملته فيه الساقطة... تركته وتركت أولاده وهربت مع ذلك الخبّاز اللعين...
-ولكن هذا حدث منذ وقت
-ولكن الرجل ظل يحاول استردادها... ولكنها رفضت العودة إليه..
-كل هذا الذي فعلته به ويريدها أن تعود... عجيبة
-حجته كانت الأولاد.. كانوا يريدون أمهم...
وحضرت الشرطة.. والإسعاف وحملوا الرجل إلى عيادة البلدة.. وبعد ذلك أخذت أفكر في تلك المرأة وذلك الخبّاز.. والرجل الذي شنق نفسه.. والأولاد.. وحكايات حارتنا التي لا تنتهي.. سأعرف القصة كاملة.. وعندما عدت إلى البيت كانت أمي تبدو حزينة ومرهقة وكانت تقول لي..
-يا خسارتك يا هالرجل حياته كلها أحزان ومشاكل..
-حقاً يا أمي أن انتحاره يبدو محزناً للغاية..
وبدأت أحاول معرفة القصة وألملم الخيوط المبعثرة هنا وهناك... والحارة التي حدثت فيها الواقعة بدأت تتكلم والشائعات تنطلق من كل مكان.. من صاحب الفرن الذي كان يعمل فيه العشق.. إلى المكوجي... إلى صاحب البقالة.. إلى نساء الحارة اللواتي كن يعرفن قصتها منذ أن هربت مع الخبّاز.. ورجال الحارة الذي كانوا يعرفون الزوج المشنوق والذين أخذوا يترحمون عليه ويرثون للحالة التي أوصل نفسه لها... ولكن كيف بدأت الحكاية.. بدأت فصولها عندما سكنت تلك المرأة ذات السن الذهبي هي وزوجها ودليلها الصغيرين خلف بيتنا وكان زوجها يعمل في تبييض الأدوات النحاسية أذكره بشاربيه العريضين.. ووجهه الصغير.. وعينيه العسليتين وقامته القصيرة.. كان هادئ الطباع... حسن المعشر بعكس زوجته التي تبدو من تصرفاتها وكأنها غانية.. بوجه مستدير أبيض.. وعينين رائعتين معتدلة الجسم.. جميلة الشكل.. ومكتنزة الصدر.. سحرت رجال الحارة منذ اليوم الأول الذي سكنت يه حتى أن مكوجي الحارة.. الرجل العاقل أشار إليها بقوله
-سبحان الذي وهب الجمال.. هكذا النساء وإلا...
وأخذ كل من في المحل يضحك ويقهقه.. ومرّ بهم الوقت وهم يتحدثون عنها.. وتمر على حارتنا أحداث صغيرة... وتسير الحياة عادية بدون أية مشاكل وذات يوم حضر للبلدة شاب صغير يبحث عن عمل.. مرّ على حارتنا يسأل أصحاب المحلات عن عمل ما.. ودخل دكان المكوجي.. وسأله عن عمل ما.. وذكر له أن يعمل خبازاً.. وفطن المكوجي إلى أن صديقه أبو عطية الذي يملك فرن العائلات قد لمح أنه بحاجة إلى خبّاز.. فأخذه إليه وقبله أبو عطية فوراً لأنه كان بحاجة إليه.. وبدأ ذلك الشاب عمله بنشاط.. ونال بعد فترة إعجاب نساء الحارة اللواتي بهرن بمهارته فلقد كانت له يدان ساحرتان في رق العجين وتشكيله دائرياً ثم نقشه بأصابعه.. ومن ثم طريقة خبزه والمظهر الشهي الذي كان يخرجه من داخل الفرن.. ذلك الإعجاب من نساء الحارة قاده آخر الأمر إلى المشاكل.. فلقد كانت تلك المرأة من المعجبات به تحمل عجنتها وتذهب بها إلى الفرن.. كانت تستلطفه وتقضي وقتاً طويلاً وهي تتحدث معه ولم يكن ذلك شيئاً غير عادي أو مبعث الشك فأكثر النساء كن يتحدثت معه وهن ينظرن دورهن من الخبز.. ولكن حديث المرأة والشاب صار يأخذ طابعاً آخر له لون زاهٍ من الابتسامات ولمس الأيدي.. وبدأت تحكي عن حياتها مع زوجها وتتذمر من الحياة معه ومعاملته لها.. وفهم الشاب ما تقصده المرأة.. وحدث مرة أنه لم يكن في الفرن أي إنسان.. انتهزت الفرصة وقالت له..
-إنك شاب قوي.. وأنا أعشق الرجال الأقوياء.. ليتني تزوجت رجلاً مثلك...
-ولكن زوجك رجل قوي..
-وتضحك ويظهر سنها الذهبي..
-قوي في كل شيء إلا في حياتنا الزوجية
-تقصدين
-نعم هذا ما أقصده
-هذا شيء فظيع
-إنني محرومة
-صبرك علي.. فما أنا إلا خبّاز.. وأبحث عن رزقي..
-وأنا أبحث عن رجل مثلك.. إنني معجبة بك.. فلا تفوت الفرصة..
-وزوجك.. والحارة.. أنا غريب..
-ولا يهمك سأدبر الأمر.. ولن يرانا أحد.. ومن ناحية زوجي فلا تكترث له..
وبعد ذلك الاعتراف.. عرفت غرفته التي استأجرها قرب المخبز أوقات كلها لذة ومغامرات وخاصة إنها في كثير من المرات وزوجها يعمل كانت تسحب نفسها بعد الظهر وتذهب إلى غرفته التي كانت لا ترى من الشارع العام والداخل إليها لا يرى من الحارة.. تقضي معه فترة بعد الظهر حيث أن الفران يكون قد أنهى خبزه مبكراً... وتمر الأيام ولا أحد يلاحظ شيئاً عن تلك العلاقة بنيهما حتى أن أم فارس لم تشك أبداً في تلك المرأة ولكنها لم تكن معجبة بأخلاقها... فلقد كانت دائمة الشجار مع زوجها.. وكانت لا تحترمه... وتحاول إهانته دائماً... وكم نصحته أم فارس بتركها ولكنه كان يقول لها
-إنني أحبها.. ولن أتركها
-ومع كل الإهانات.. والله إنك رجل عجيب
حتى كان ذلك اليوم وقد عاد زوجها من عمله لقضاء حاجة.. ولم تكن في البيت وسأل ابنه عنها.. فقال الولد لأبيه
-لا أعرف يا أبي.. إنها تتركنا كل يوم وتذهب لزيارة الجيران.. ولم يكترث للأمر فهذه أمور طبيعية أن تذهب وتزور جاراتها ولم يحاول أن يعطي الأمر أهمية كبرى.. ولكنه عاد في اليوم التالي ولم يجدها في البيت.. فأرسل ابنه يسأل عنها عند الجارات ولكن لم تكن هناك.. أرسل ابنه لبيت قريبته.. وكذلك لبيتنا ولكن لم يكن لها اي وجود في بيوت الجارات وهنا أخذ الفأر يلعب في عبه.. وعند المساء لم يذكر بها أي شيء.. وصمم على أن يكشف ذلك الغموض.. وذلك الغياب المتواصل عن البيت.. وهذا ما حدث.. فإنه شاهدها تخرج من البيت ومن ثم تتوجه إلى زقاق ضيق.. وتختفي هناك في غرفة صغيرة وبعد حوالي الساعة تخرج من نفس الغرفة وتتجه إلى بتيها وبعد ذلك يعلم أن الشاب الخبّاز يسكن تلك الغرفة وهناك من يقول وهم الأذكياء في حارتنا.. بأنه تابعها حتى دخلت غرفة الشاب ومن ثم قبض عليهما بالجرم المشهود وحدثت مشادة عنيفة بينه وبني الشاب إلا أنه أجبر على السكوت خوفاً من الفضيحة وعلى أي حال فالذين حكوا الرواية الأولى أكملوها بحوار آخر.. وذلك أنها عادت إلى بيتها وهناك حاول أن يضربها.. فتحدته أن يمد يده علهيا... وصارت تسب وتلعن وتصفه بالجنون... وأنه شكاك.. وإنها لم تفعل أي شيء.. ولكنه صمم على رأيه وإنها امرأة ساقطة فقالت له..
-إذا لم يعجبك.. أتركني.. طلقني.. إنك لست برجل..
وقتها على ما يذكر بعض الجيران أن الرجل لم يعد يصبر فأخذ يركلها برجليه ويصربها وهي تصرخ وتصيح.. هذه حكاية أمّا الحكاية الأخرى فتقول أنه لم يستطع الرد عليها وأنه صار يبكي ويقول لها.. إنه يحبها ويريدها أن تبقى معه.. ولكنها هربت مع الخبّاز في اليوم التالي وتركت ولديها ولم تهتم لهما.. وأن البلدة بعد ذلك اليوم لم تسمع عنهما أي خبر.. وأخذت بعد ذلك أم فارس ترعاهم.. وتحضر لهم الطعام.. وأما الأولاد فإن مؤسسة رعاية الأطفال تكفلت بهم وبين الحين والآخر كانا يحضران لرؤية والدهما... وتسوء حالة الرجل.. وتتدهور صحته.. لا زوجة ولا أولاد.. ولا مستقبل ويصمم على الانتحار وذلك بعد أن حضر أولاده لرؤيته ويضع الحبل حول رقبته والكرسي تحت قدميه وبصربة بسيطة أزاح الكرسي برجليه.. وهكذا ظل معلقاً حتى مرت أم فارس وسمعت صوت الأولاد يبكون وهم في حالة رعب وذهول.. وفي ذلك الزمان لم تعرف حارتنا حادثة مثل تلك الحادثة بوقائعها الغريبة وأصبحت حكاية الخبّاز والمرأة والرجل الذي شنق نفسه حكاية تروى من زمان إلى زمان.
*من مجموعة \"الاعتراف\".

ولد سمير إسحق في يافا عام 1944، درس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة دمشق لمدة سنتين، يمارس الأعمال الحرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.
مؤلفاته:
1.غريب على نهر هدسن، مجموعة قصصية – دار الكرمل، عمان، 1988.
2.الرحيل، مجموعة قصصية، دار الكرمل -1989.
3.عذاب على الشاطئ الشرقي، رواية، دار الكرمل، عمان، 1990.
4.الاعتراف، مجموعة قصصية –دار الكرمل، عمان، 1992.
5.سراب الماضي، مجموعة قصصية، دار الكرمل، عمان، 1993.

قصة:
المرأة والخباز
سمير إسحق
ما جرى في حارتنا في ذلك اليوم يحير العقول.. كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري.. سمعت صراخاً يأتي من البيت الذي يقع خلف بيتنا.. كان حاداً وعنيفاً.. وقامت قيامة الحارة.. واتجه الكثيرون... رجالاً ونساءً إلى مصدر ذلك الصراخ.. كان الوقت ظهراً.. وشمس آب تفرقع لهبها على جو البلدة.. واتجهت أنا وأمي إلى حيث كانت أم فارس واقفة تلطم خديها بيديها ثم تشد شعرها.. كنا أسرع الناس لرؤية ما حدث.. دخلت أمي ذلك البيت المصنوع من الطوب.. وأرعبها ما رأت.. أهذا معقول.. غير معقول ما تراه عيناها.. واتجه نظري إلى ذلك الشيء ولهول ما رأيت.. رجلاً يلتف حول عنقه حبل.. يتدلى برجليه بالهواء وتحته كرسياً لا حركة تصدر منه.. وكان منظره يثير الرعب والقثيان.. وهتفت أمي.. بعد أن أمسكت أم فارس من كتفيها..
-يا إلهي.. ماذا حدث.. ماذا حدث.
وأخذت المرأة تولول وتصيح
-ويلي شنق الرجل نفسه.. يا ويلي... قلته الخائنة.. ويلها من ربنا.. الله يجازيها بنت..
وفكرت.. ماذا تقول هذه المرأة.. ولماذا تشتم زوجته الخائنة.. ولماذا خانته.. وما هي القصة وراء شنق الرجل لنفسه.. وحاولت أن أسأل أمي عن الموضوع.. ولكنها نظرت إلي نظرة ذات معنى فسكت.. أما أهل الحارة فلقد تجمعوا خارج الغرفة وهم يضربون أخماساً بأسداس..
-راح الرجل بشربة ميه
-الله يخرب بيت اللي كان السبب....
-لقد هربت مع الخبّاز وتركت زوجها وأولادها يعانون المشاكل.
-هو سبب كل المشاكل.
-هل رأيتم الأولاد..
-لقد هربوا.. لقد كان المنظر أقوى من مشاعرهم.. وأحاسيسهم الصغيرة..
-هل فتشتم عليهم..
وسألت أمي أم فارس التي كانت مذهولة وتصرخ بأعلى صوتها...
-ماذا حدث يا أم فارس وكيف شنق الرجل نفسه..
-والله يا أختي لا أعلم كيف حدث.. ولماذا فعل ذلك ولكنها هي السبب.. المجرمة.
-تقصدين زوجته.
-آي نعم... العاهرة.. ياما حذرته منها وقلت له طلقها يا رجل ولكنه لم يسمع ولم يرد...
-وكيف اكتشفت موته.
-كنت مارة عليهم كعادتي لأطمئن عليه وعلى الأولاد ومعي شوية أكل لهم.. وعندما اقتربت من البيت سمعت صوت الأولاد يبكون.. دخلت الغرفة فإذا الرجل معلقاً بجبل يتدلى جسمه بلا حراك
-الله يساعدهم يا أم فارس...
-لقد كان منظراً يقطع القلوب.. وفي نفس الوقت فإنه مخيف..
-إنه رجل مسكين.. والمشكلة الآن الأولاد.. الله يكون بعونهم لا أب ولا أم.. على فكرة أين ذهبوا..
-لقد أرسلتهم إلى بيتنا وهم في أمان
ومع ذلك فلقد علقت أمي على منظر الرجل..
-والله عجيبة رجل بضخامته يشنق نفسه من أجل امرأة.. يا للمصيبة...
-هي شوية اللي عملته فيه الساقطة... تركته وتركت أولاده وهربت مع ذلك الخبّاز اللعين...
-ولكن هذا حدث منذ وقت
-ولكن الرجل ظل يحاول استردادها... ولكنها رفضت العودة إليه..
-كل هذا الذي فعلته به ويريدها أن تعود... عجيبة
-حجته كانت الأولاد.. كانوا يريدون أمهم...
وحضرت الشرطة.. والإسعاف وحملوا الرجل إلى عيادة البلدة.. وبعد ذلك أخذت أفكر في تلك المرأة وذلك الخبّاز.. والرجل الذي شنق نفسه.. والأولاد.. وحكايات حارتنا التي لا تنتهي.. سأعرف القصة كاملة.. وعندما عدت إلى البيت كانت أمي تبدو حزينة ومرهقة وكانت تقول لي..
-يا خسارتك يا هالرجل حياته كلها أحزان ومشاكل..
-حقاً يا أمي أن انتحاره يبدو محزناً للغاية..
وبدأت أحاول معرفة القصة وألملم الخيوط المبعثرة هنا وهناك... والحارة التي حدثت فيها الواقعة بدأت تتكلم والشائعات تنطلق من كل مكان.. من صاحب الفرن الذي كان يعمل فيه العشق.. إلى المكوجي... إلى صاحب البقالة.. إلى نساء الحارة اللواتي كن يعرفن قصتها منذ أن هربت مع الخبّاز.. ورجال الحارة الذي كانوا يعرفون الزوج المشنوق والذين أخذوا يترحمون عليه ويرثون للحالة التي أوصل نفسه لها... ولكن كيف بدأت الحكاية.. بدأت فصولها عندما سكنت تلك المرأة ذات السن الذهبي هي وزوجها ودليلها الصغيرين خلف بيتنا وكان زوجها يعمل في تبييض الأدوات النحاسية أذكره بشاربيه العريضين.. ووجهه الصغير.. وعينيه العسليتين وقامته القصيرة.. كان هادئ الطباع... حسن المعشر بعكس زوجته التي تبدو من تصرفاتها وكأنها غانية.. بوجه مستدير أبيض.. وعينين رائعتين معتدلة الجسم.. جميلة الشكل.. ومكتنزة الصدر.. سحرت رجال الحارة منذ اليوم الأول الذي سكنت يه حتى أن مكوجي الحارة.. الرجل العاقل أشار إليها بقوله
-سبحان الذي وهب الجمال.. هكذا النساء وإلا...
وأخذ كل من في المحل يضحك ويقهقه.. ومرّ بهم الوقت وهم يتحدثون عنها.. وتمر على حارتنا أحداث صغيرة... وتسير الحياة عادية بدون أية مشاكل وذات يوم حضر للبلدة شاب صغير يبحث عن عمل.. مرّ على حارتنا يسأل أصحاب المحلات عن عمل ما.. ودخل دكان المكوجي.. وسأله عن عمل ما.. وذكر له أن يعمل خبازاً.. وفطن المكوجي إلى أن صديقه أبو عطية الذي يملك فرن العائلات قد لمح أنه بحاجة إلى خبّاز.. فأخذه إليه وقبله أبو عطية فوراً لأنه كان بحاجة إليه.. وبدأ ذلك الشاب عمله بنشاط.. ونال بعد فترة إعجاب نساء الحارة اللواتي بهرن بمهارته فلقد كانت له يدان ساحرتان في رق العجين وتشكيله دائرياً ثم نقشه بأصابعه.. ومن ثم طريقة خبزه والمظهر الشهي الذي كان يخرجه من داخل الفرن.. ذلك الإعجاب من نساء الحارة قاده آخر الأمر إلى المشاكل.. فلقد كانت تلك المرأة من المعجبات به تحمل عجنتها وتذهب بها إلى الفرن.. كانت تستلطفه وتقضي وقتاً طويلاً وهي تتحدث معه ولم يكن ذلك شيئاً غير عادي أو مبعث الشك فأكثر النساء كن يتحدثت معه وهن ينظرن دورهن من الخبز.. ولكن حديث المرأة والشاب صار يأخذ طابعاً آخر له لون زاهٍ من الابتسامات ولمس الأيدي.. وبدأت تحكي عن حياتها مع زوجها وتتذمر من الحياة معه ومعاملته لها.. وفهم الشاب ما تقصده المرأة.. وحدث مرة أنه لم يكن في الفرن أي إنسان.. انتهزت الفرصة وقالت له..
-إنك شاب قوي.. وأنا أعشق الرجال الأقوياء.. ليتني تزوجت رجلاً مثلك...
-ولكن زوجك رجل قوي..
-وتضحك ويظهر سنها الذهبي..
-قوي في كل شيء إلا في حياتنا الزوجية
-تقصدين
-نعم هذا ما أقصده
-هذا شيء فظيع
-إنني محرومة
-صبرك علي.. فما أنا إلا خبّاز.. وأبحث عن رزقي..
-وأنا أبحث عن رجل مثلك.. إنني معجبة بك.. فلا تفوت الفرصة..
-وزوجك.. والحارة.. أنا غريب..
-ولا يهمك سأدبر الأمر.. ولن يرانا أحد.. ومن ناحية زوجي فلا تكترث له..
وبعد ذلك الاعتراف.. عرفت غرفته التي استأجرها قرب المخبز أوقات كلها لذة ومغامرات وخاصة إنها في كثير من المرات وزوجها يعمل كانت تسحب نفسها بعد الظهر وتذهب إلى غرفته التي كانت لا ترى من الشارع العام والداخل إليها لا يرى من الحارة.. تقضي معه فترة بعد الظهر حيث أن الفران يكون قد أنهى خبزه مبكراً... وتمر الأيام ولا أحد يلاحظ شيئاً عن تلك العلاقة بنيهما حتى أن أم فارس لم تشك أبداً في تلك المرأة ولكنها لم تكن معجبة بأخلاقها... فلقد كانت دائمة الشجار مع زوجها.. وكانت لا تحترمه... وتحاول إهانته دائماً... وكم نصحته أم فارس بتركها ولكنه كان يقول لها
-إنني أحبها.. ولن أتركها
-ومع كل الإهانات.. والله إنك رجل عجيب
حتى كان ذلك اليوم وقد عاد زوجها من عمله لقضاء حاجة.. ولم تكن في البيت وسأل ابنه عنها.. فقال الولد لأبيه
-لا أعرف يا أبي.. إنها تتركنا كل يوم وتذهب لزيارة الجيران.. ولم يكترث للأمر فهذه أمور طبيعية أن تذهب وتزور جاراتها ولم يحاول أن يعطي الأمر أهمية كبرى.. ولكنه عاد في اليوم التالي ولم يجدها في البيت.. فأرسل ابنه يسأل عنها عند الجارات ولكن لم تكن هناك.. أرسل ابنه لبيت قريبته.. وكذلك لبيتنا ولكن لم يكن لها اي وجود في بيوت الجارات وهنا أخذ الفأر يلعب في عبه.. وعند المساء لم يذكر بها أي شيء.. وصمم على أن يكشف ذلك الغموض.. وذلك الغياب المتواصل عن البيت.. وهذا ما حدث.. فإنه شاهدها تخرج من البيت ومن ثم تتوجه إلى زقاق ضيق.. وتختفي هناك في غرفة صغيرة وبعد حوالي الساعة تخرج من نفس الغرفة وتتجه إلى بتيها وبعد ذلك يعلم أن الشاب الخبّاز يسكن تلك الغرفة وهناك من يقول وهم الأذكياء في حارتنا.. بأنه تابعها حتى دخلت غرفة الشاب ومن ثم قبض عليهما بالجرم المشهود وحدثت مشادة عنيفة بينه وبني الشاب إلا أنه أجبر على السكوت خوفاً من الفضيحة وعلى أي حال فالذين حكوا الرواية الأولى أكملوها بحوار آخر.. وذلك أنها عادت إلى بيتها وهناك حاول أن يضربها.. فتحدته أن يمد يده علهيا... وصارت تسب وتلعن وتصفه بالجنون... وأنه شكاك.. وإنها لم تفعل أي شيء.. ولكنه صمم على رأيه وإنها امرأة ساقطة فقالت له..
-إذا لم يعجبك.. أتركني.. طلقني.. إنك لست برجل..
وقتها على ما يذكر بعض الجيران أن الرجل لم يعد يصبر فأخذ يركلها برجليه ويصربها وهي تصرخ وتصيح.. هذه حكاية أمّا الحكاية الأخرى فتقول أنه لم يستطع الرد عليها وأنه صار يبكي ويقول لها.. إنه يحبها ويريدها أن تبقى معه.. ولكنها هربت مع الخبّاز في اليوم التالي وتركت ولديها ولم تهتم لهما.. وأن البلدة بعد ذلك اليوم لم تسمع عنهما أي خبر.. وأخذت بعد ذلك أم فارس ترعاهم.. وتحضر لهم الطعام.. وأما الأولاد فإن مؤسسة رعاية الأطفال تكفلت بهم وبين الحين والآخر كانا يحضران لرؤية والدهما... وتسوء حالة الرجل.. وتتدهور صحته.. لا زوجة ولا أولاد.. ولا مستقبل ويصمم على الانتحار وذلك بعد أن حضر أولاده لرؤيته ويضع الحبل حول رقبته والكرسي تحت قدميه وبصربة بسيطة أزاح الكرسي برجليه.. وهكذا ظل معلقاً حتى مرت أم فارس وسمعت صوت الأولاد يبكون وهم في حالة رعب وذهول.. وفي ذلك الزمان لم تعرف حارتنا حادثة مثل تلك الحادثة بوقائعها الغريبة وأصبحت حكاية الخبّاز والمرأة والرجل الذي شنق نفسه حكاية تروى من زمان إلى زمان.
*من مجموعة \"الاعتراف\".