البث التجريبي للتصميم الجديد
عبد الحميد ياسين (1906 - 1975)
   
 

ولد عبد الحميد ياسين في مدينة (اللد) سنة 1906، وأتم تعليمه في كلية دار المعلّمين في القدس سنة 1924. عمل في التعليم ست سنوات قبل أن يلتحق بالجامعة الأمريكية لدراسة العلوم الاجتماعية، وتخرج بدرجة البكالوريوس عام 1933 ليستأنف العمل في التدريس، ثم في الإذاعة الفلسطينية. نقل سنة 1937 إلى وظيفة مترجم في السكرتارية العامة في القدس، وعمل مترجماً في دارة الانتداب الإنجليزي، وترجم عددا من الكتب والمقالات.

شغل وظائف أخرى قبل النكبة منها: وظيفة مدير لبلدية (يافا) سنة 1947. وبعد عام 1948 لجأ إلى الأردن، وعيّن في إدارة معاهد المعلّمين، ثم خبيراً في اليونسكو، ثم اختير أميناً عاماً للجامعة الأردنية عند إنشائها، ثم شغل مدير عام الإذاعة الأردنية سنة 1967، وتوفي عام 1975.

مؤلفاته

القصة:

  1. أقاصيص، شركة الطباعة اليافية، يافا، 1946.
  2. أقاصيص مصورة، د. ن، عمان، 1959.

الترجمة:

  1. العقل والمنطق تأليف هاري ألن وبرنارد، وفر ستريت، بيروت، 1960.

الدراسات:

  1. رسالة التربية الحديثة، وزارة التربية والتعليم، عمان، 1976.
  2. فكر وأدب، رابطة الكتّاب الأردنيين، عمّان، 1978,
  3. في مناسبات إسلامية، جمعية المطابع التعاونية، عمان، 1977.

من مراجع ترجمته:

  1. شاهين (أحمد عمر):موسوعة كتّاب فلسطين في القرن العشرين، دائرة الثقافة، منظمة التحرير الفلسطينية، 1992.
  2. ياغي (هاشم): القصة القصيرة في فلسطين والأردن، معهد الدراسات العربية، القاهرة، 1966.

بائع الزهور
جلس بائع الزهور في دكانه، بين الورود والزنابق والأقاحي وغيرها ضحى يوم من الأيام، وقد قل المشترون. جلس وراء اللوح الزجاجي الكبير، الذي يفصله عن الحياة الدافقة في الشارع. جلس يطلّ على الحياة ويجيل في ألوانها البصر والبصيرة وما أكثر ما لامسها في دكانه، من مشترين يأتونه لشتّى الأغراض والمقاصد.
قال البائع في نفسه: ما أكثر ما جاءني شُبّان وشوابّ، فيهم وفيهنّ العزم والنضارة، يطلبون الورود الحمر فرادى وباقات، فألمس في قلوبهم عاطفة جياشة لافحة، وما أكثر ما جاءني الكهول يبغون زهوراً أخرى، يصرون على تنسيقها على وجهٍ لا يرضون بديلاً عنه، فأدرك فعل العاطفة الهادئة المركزة في الحياة الرتيبة، وما أكثر ما جاءتني خادمة ذات هندام، تطلب لسيدتها زهر البنفسج يوم الأحد من كل أسبوع.
بهذا الحديث ومثله، كان بائع الزهور يناجي نفسه، في ضحى ذلك اليوم وهو جالس في دكانه يعرض الحياة الدافقة في الشارع، وينتظر المشترين. وسرعان ما غمر دكانه فيض من هذه الحياة، حين اندفع إليه أطفال ثلاثة، ولدان وبنت، كلّهم في نحو العاشرة من العمر.
قال أحدهم: نريد باقة من الورد الأصفر، وقال الآخر: بل نريدها على شكل إكليل، وقالت البنت: المهم أن يكون لديك ورد أصفر، وأن يكون فاقع الصفرة ثم نرى كيف ننسقه ومن الذي يتولى ذلك التنسيق.
أجال البائع بصره في المشترين الصغار وأتبع البصر بالبصيرة، فلم يتبين الحادث الدافع جلياً وواضحاً، وإن كان الأشخاص المدفوعون ليس على مرآهم غشاء غموض أو إبهام. كان البائع يرغب في تفحّص وجوه الأطفال وإجالة الفكر في العبارات التي قالوها للوصول إلى معرفة ما جاءوا إليه في تلك الساعة. وقد كان له من الخبرة الطويلة ما يوصله إلى ذلك، ولكنه لم يحتج إليها، إذ سرعان ما لحظ أحدهم يقف وقفة خطيب ويقول: نحن الثلاثة لجنة تمثل طلاب الصف جميعاً، وقد وقع علينا الاختيار، وعُهد إليها بشراء الزهور وإعدادها على شكلٍ لائق، وقد تمّ لنا جمع هذه القروش الثمانية عشرة، من جميع طلاب الصف.
قال الولد هذا، وأخرج من جيبه دريهمات، وضعها على الطاولة أمام البائع، وبدت على وجه الولد الآخر علائم الارتياح. أما البنت رفيقتهما، فقد احمرت وجنتاها. واغرورقت بالدمع عيناها، وارتعشت بعض ارتعاش، فأدرك البائع أن في الأمر حزناً، وأن موضوعه يمسّ الفتاة الصغيرة مسّاً شديداً. وقد أيد ذلك الطفل الخطيب حين قال: إنها أخته، وهي تحبه، ونحن جميعاً نحب أن نظهر حبنا له بهذه الزهور، وقد انضمت أخته إلينا لأنها تعرف أكثر منا كيف تنسَّق الزهور وتنظَّم الأكاليل، ولأنها تعرف أكثر منا أي الزهور أحب إليه وأي الألوان كان يهوى.
قالت البنت وهي تتجلّد كما يتجلد الكبار الذين حنكتهم السنون: ليس عبثاً أننا طلبنا، أول ما طلبنا ورداً أصفر؛ فقد كان مولعا ًبهذا اللون، وكانت له ربطة عنق صفراء أهدته إياها الوالدة في عيد ميلاده قبل ثلاث سنين، وكان مغرما ًبلبسها في كل حفل وكل عيد. وأمّن الرفيقان على قولها بهز الرأس، وبان عليهما التأثر أشدَّ من ذي قبل. ولعل أحدهما كان يبغي إخفاء تأثّره حين حوّل وجهه وأخذ يجيل النظر في أنحاء الدكان باحثاً عما جاءوا في طلبه، أما البنت فقد ازدادت وجنتاها حمرة وازدادت بذلاً للجهد في سبيل التجلد.
ودنا الولد الثاني من البائع وهمس في أذنه: لقد عزّ علينا جميعاً فقدان هذا الصديق، فقد كان مرحاً لعوباً، وكان جمّ النشاط معواناً، وقد كان أسوأ ما ساءنا في فقده هذه الميتة التي ماتها، سيارة داسته وغادرته بلا حراك ولا روح، مع أنه كان عظيم الحذر حين يعبر الشارع. رحمة الله عليه، انظر إلى أخته، فهي تبكي.
نظر البائع، فإذا الفتاة الصغيرة قد عزّ عليها أن يراها الغرباء باكية فأخرجت منديلها وجعلت تلتقط به ما ينحدر من مآقيها وتواري به وبيدها بعض وجهها إباء وتجلّدا. فلم يشأ البائع أن يحرجها بالنظر أو السؤال، بل انصرف يبحث عن ورد أصفر، حتى إذا وقع على باقة منه كبيرة نضرة جعل يقلبها بين يديه في ارتياح وينعم فيها النظر. ودنا منه الولدان وأعجبا بالزهور، ثم استجمعت رفيقتهما قوّتها وجاءت تشاركهما الإعجاب. ولمّا حلّ البائع رباط الباقة، وجعل ينظم الورود إكليلاً أخذ الرفقاء الثلاثة يعينونه بالرأي والعمل. وتم لهم تنسيق الورود الصفر، الحبيبة إلى قلب الرفيق وفرغوا من صنع الإكليل، رمز ودّهم وولائهم، وخرجوا من الدكان يحملونه وعلى محيّاهم علائم ارتياح وبهجة.
أمّا بائع الزهور فقد شيّعهم بنظره وقلبه، حتى ابتلعهم تيّار الحياة الدافق في الشارع. ثم عاد إلى مجلسه يطلّ على الحياة، ويجيل في ألوانها البصر والبصيرة من وراء اللوح الزجاجي الكبير.