نبيل حداد
   
 

ولد الدكتور نبيل يوسف حداد في بيسان عام 1948، حصل على خمس شهادات جامعية، اثنتان مها في درجة الماجستير، إحداهما في اللغة العربية، حول الحركة الشعرية في الاردن (1921-1948) والأخرى في الصحافة والإعلام. كما حصل على شهادة ما بعد الدكتوراه في التحرير الكتابي من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1984. أما الشهادات الثلاثة الأخرى فجميعها في اللغة العربية وآدابها، وهو أكاديمي متخصص في النقد الروائي.

 

عمل أستاذاً للأدب الحديث والصحافة والإعلام في جامعة اليرموك منذ عام 1981 وحتى الآن، وخلال هذه الفترة تولى إدارة واثرة الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك، وكان ذلك بين عامس 1986-1987، كما تولى رئاسة تحرير جريدة \"صحافة اليرموك\" خلال الفترة الممتدة ما بين 1984-1988.

 

شارك في عضوية العديد من الهيئات الدولية والمحلية المتخصصة في الأدب وقضايا اللإعلام، ومن هذه الهيئات: رابطة الإعلاميين العالميين في الولايات المتحدة الأمريكية (JEA)، رابطة الكتاب الأردنيين، جمعية النقاد الأردنيين. كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة في قضايا النقد والإعلام على الصعيدين المحلي والدولي.

 

مؤلفاته:

  • الدراسات الأدبية
  1. قضايا الرواية في الأردن
  2. دراسات نصية في الرواية في الأردن
  3. في الرواية المصرية/ أبحاث ومقالات مجمعة
  4. الرواية في الأردن، فضاءات ومرتكزات، عمان، وزارة الثقافة، 2003.
  5. الرواية والواقع الاجتماعي، منشورات جامعة آل البيت، 2000.
  • في الدراسات الإعلامية والصحافية
  1. في الكتابة الإعلامية/مهارات -أسس...أشكال وقضايا
  2. جمعة حماد، الصحافة والأدب

 

 

فصل من كتاب:

*د. نبيل حداد

الفصل الأول

دراسة في البيئة الروائية(s)

ملخص

يتفرع هذا البحث لمناقشة بيئة العمل الروائي في عدد من الروايات الأردنية التي صدرت خلال السنين الثمانية الأولى من عقد الثمانينيات. ويتعرض البحث لأشكال البيئة وتأثيراتها في الأحداث والشخصيات؛ فهو يُعنى بالمكان ودلالاته المباشرة والرمزية، كما يُعنى بالمجتمع والقوى السائدة فيه. إضافة إلى هذا فإن البحث يتلمس خصائص البيئة من واقع الأعمال ضمن مراحل أزمنتها وانعكاسات هذه الخصائص -من ثم- على التشكيل الفني والرؤى الفكرية والاجتماعية التي تحكم الأعمال موضع الدراسة.

تمهيد:

لئن قدر للحركة الشعرية في الأردن أن تواكب الكيان السياسي منذ نشأته في الأردن في مستهل عشرينيات القرن العشرين فإن الفن القصصي في هذا البلد لم يتسن له احتلال دور يوازي دور الشعر إلا في مرحلة متأخرة نسبياً. فلقد بدأت الحركة الشعرية في الأردن، لظروف سياسية معينة، بداية قوية، دونها بكثير، كماً ومستوى فنياً نشأة الفن القصصي، وبهذا يمكن القول إن الحركة القصصية في الأردن لم يقدر لها النهوض على قوامين ثابتين: القصة القصيرة والرواية إلا في نهاية الستينيات، مع الإشارة إلى أن هذه الحركات ظلت قبل ذلك -على الأغلب الأعم- تنهض على قوام واحد، وهو القصة القصيرة.

على أن هذا لا يمنع من القول إنه لقد نشأت في الستينيات أسباب لتمييز النتاج الروائي عن المرحلة السابقة، إذ اختمرت قضايا الخمسينيات، وتقدمت رؤية القاصين الفكرية نحو الأعمق والأشمل، ووعت هذه الرؤية طبيعة الأحداث ومجرياتها من حولها، ونضج حكمها على الأمور بعد المد القومي ثم إجهاض الطروح التي بشرت بأحلام وردية نتيجة لمأساة 1967 (العطيات، 1985، ص70).

وترجح أغلب الآراء أن الرواية في الأردن قد حققت انعطافاً نوعياً بصدور رواية تيسير سبول \"أنت منذ اليوم\" (1968) وبعض النقاد ينظر إلى هذه الرواية بوصفها علامة علىمرحلة تأسيسية مهمة في الرواية في الأردن. على أن الستينيات بعامة، شهدت عدداً من الروايات متفاوتة في المستوى، متباينة في الرؤية والموقف والطرح، تغلب الحماسة والانفعال والسطحية على معظمها (قطامي، 1989، ص171).

وفي السبعينيات شهدت مسيرة الرواية في الأردن كثيراً من المعالم المضيئة. لكن العقد بعامة لم يشهد تحولات جذرية يمكن معه أن تُعد السبعينيات مرحلة متوهجة في هذه المسيرة، نعم لقد أفرخت السبعينيات أعمالاً يتسم بعضها بنضج فني لا بأس به، لكن الثمانينيات شهدت نقلة نوعية في مسيرة الرواية، بلغ فيها هذا الجنس الأدبي مستوى من النضج جعله يحتل موقعاً رئيسياً في الساحة الأدبية على المستولى المحلي على الأقل، بحيث بات بوسعنا القول الآن: إن الأردن يشهد حركة روائية متنامية تضاهي، في عناصرها الفنية، ورؤاها الفكرية النماذج الرفيعة في هذا الجنس الأدبي في الوطن العربي.

وشأن الرواية العربية في أقطارنا كافة، ارتبطت الرواية في الأردن ارتباطاً مباشراً بالقضايا العامة للإنسان العربي، وانبجست من الواقع المعيش لهذا الإنسان، مما يقودنا إلى القول: إن بعدي الواقع العام والبيئة المحلية متداخلان إلى الدرجة التي يصعب فيها فصل انعكاسات البعد الواحد منهما عن الآخر في الشخصية العربية، هذه السمة تنطبع بعمق كبير في شخصية الإنسان الأردني، ومن ثم كان لها انعكاساتها الواضحة في التكوين الفني والفكري للشخصيات الروائية. وللتدليل على ذلك نشير إلى أن التفاعلات التي تبدو محلية فحسب في البيئة الأردنية ناجمة عن عناصر مما يجري حولها، إذ أن كثيراً مما يجري في المجتمع الأردني هو صدى لأحداث تقع خارج هذا المجتمع، سواء في فلسطين أم لبنان أم الخليج العربي... الخ.

وحيث أن الرواية تظل على الدوام معادلاً فنياً للحياة، الحياة بما تعنيه من إنسان وبيئة، بالمفهوم الواسع لكلمة بيئة، الذي يشمل المجتمع كذلك؛ يحسن بنا أن نقف قليلاً عند أهم المتغيرات التي خضع لها واقع البيئة الاجتماعية في الأردن خلال القرن الماضي:

أول ما نلاحظه في الواقع الاجتماعي في الأردن، أنه واقع انتقالي، فالمجتمع الأردني الحالي مجتمع جديد سواء بتكوينه السكاني، أو بتوزيعه الجغرافي: أي أنه ظل يمر بمراحل تحول متلاحقة منذ قيام الإمارة إلى الآن؛ إذ تحولت قطاعات كبيرة من السكان حديثاً من الرعي إلى الزراعة، ونشأ عن هذا التحول قيام تجمعات سكنية حديثة أخرى، كما أن هناك قطاعات أخرى تحولت من الريف إلى المدينة، وهناك مجموعات كثيرة من البدو والمزارعين تركت مهنتها الأصلية إلى العمل الوظيفي.

وثمة متغير آخر في واقع البيئة الأردنية لا يقل أهمية عن المتغير السابق، وهو كثيرة أعداد المهاجرين إلى الأردن، وقد ظلت القوانين والأنظمة الأردنية تعطي للمهاجرين العرب، بصرف النظر عن منشئهم حقوق المواطنة الكاملة لأسباب متعددة أهمها: الحاجة إلى خبرات ومهارات هؤلءا الوافدين، إضافة إلى دوافع قومية فيما يتعلق بمن نزحوا من فلسطين؛ والتاريخ المعاصر يعلمنا أنه ما من مجتمع عربي حديث تعرض لتأثيرات الهجرة الواقدة أكثر مما تعرض له المجتمع الأردني، ونحن هنا نميز بين البيئة التي تكون ملاذاً لهجرة دائمة، والبيئات التي تكون أمكنة للعمل المؤقت يعود بعده الوافد إلى بلده الأصلي، والأردن ينتمي -من هذه الناحية- إلى النوع الأول، حيث قدم إليه مباشرة بعد تأسيس الإمارة آلاف المواطنين السوريين والفلسطينيين والمصريين... إلخ، خلال العشرينيات والثلاثينيات بخاصة، ثم جاءت الهجرة الفلسطينية الكبيرة أواخر الأربعينيات لتضيف بُعداً جديداً في التكوين الديمغرافي، وكانت البلاد قبل تأسيس الإمارة بقليل قد استقبلت آلاف المهاجرين الدائمين من الشركس والشيشان والأرمن. كل هذه العناصر انصهرت مع السكان الأصليين ليتكون مجتمع جديد بمعنى الكلمة.

وهناك متغير ثال نابع من التوزيع الجغرافي للسكان الأصليين ومن الموقع الجغرافي للبلاد، فألأردن بلاد تخوم المنطقة الشمالية والوسطى، تخوم متأثرة بالواقع الاجتماعي لسوريا وفلسطين، والمنطقة الجنوبية تخوم متأثرة بالواقع الاجتماعي الحجازي، أما المناطق الشرقية والشرقية الجنوبية فهي تخوم صحراوية تقطنها قبائل بدوية كثيرة، وهكذاا تتباين الخريطة البشرية في الأردن بتباين أجزاء البيئة الواحدة.

وثمة عامل رابع ما زال يؤثر تأثيراً كبيراً على واقع البيئة الاجتماعية والبشرية بعامة في الأردن، وهو سعي الكثيرين من أبنائه إلى العمل خارج الأردن ولا سيما في أقطار الخليج العربي، ومن ثم فإن كل ما يجري في تلك المنطقة ينعكس، سلباً أو إيجاباً، على الحياة في الأردن، وقد كانت البيئة الخليجية بيئة لعدد من الأعمال الروائية.

ولما كانت الحركة الأدبية في والروائية منها بشكل خاص، قد جاوزت المرحلة الرومانسية، ولم يعد هناك مكان كبير للطروحات الذاتية في هذه الأعمال، فإن الرؤية هنا واقعية، مشغولة -في الأغلب الأعم- بالهم العام، والمرحلة ما زالت تعيش زخماً واقعياً كبيراً يعي الراوي جيداً من خلاله أن لا فرق بين ما يجري في عالم السياسة وبين ما يجري داخل البيوت، ولو شئنا مزيداً من الدقة لقلنا: إن ما يجري داخل البيوت صدى مباشر للأحداث العامة، وليس هذا قصراً على البيئة الأردنية، لكن هذه الظاهرة أشد وضوحاً في هذه البيئة.

لا تهدف الدراسة في حال من الأحوال إلى إجراء عملية مسح أو رصد للأعمال الروائية التي صدرت في الثمانينات، بل تبحث عن النماذج الدالة على المنهج الذي تسير عليه، وهذا المنهج يقوم على ناحيتين:

الناحية الأولى: تتعلق بموقع الشخصيات وموقفها من البيئة، بكلمة أخرى هل العلاقة بين الشخصية والبيئة تقوم على ضروب منالولاء والمسللة، أم أنها تقوم على أشكال من التوتر والرفض والغربة؟

أما الناحية الثانية: فهي تتناول رؤى المؤلفين وأدواتهم، من حيث انشغال هذه الرؤى أو توزعها بين العام والخاص، ومن حيث توجيه الأدوات للغايات الفنية أو التوثيقية التسجيلية. وعلى هذا الأساس ستقوم الدراسة على أربعة محاور أساسية، يتناول الأول منها بعض النماذج المنشغلة بالقضايا الخاصة وما ينجم عن ذلك من مواجهات أساسها اجتماعي بين الشخصية والبيئة، ويتفرغ الثاني لمناقشة نماذج يحتل الهم العام وجدانات بعض شخصياتها وتحكمها \"رؤية عامة\"، أما المحور الثالث فيتناول نموذجين اغترابيين يجسدان أزمة الاغتراب عند المثقف الأردني بمستوييها المادي والروحي، وسنخصص المحور الرابع للحديث عن بعض الأعمال التي ما زالت الرؤية التسجيلية سائدة فيها وتتخذ من توثيق البيئة غاية تطغى على توجهها الفني وربما تم ذلك على حسابه.

السعي للتوازن

سنتناول في هذا المبحث ثلاثة من النماذج الروائية تصور سعي الشخصية لتحقيق شطكل من أشكال التوازن مع البيئة التي تعيش فيها، والعلاقة بين الشخصية وواقعها التي تقوم ها على ضرب من التوتر قد يبلغ مبلغ الرفض أحياناً، وقد يصل عند بعضها إلى مدى التمرد الاجتماعي أحياناً أخرى. والنماذج الثلاثة على أية حال تعكس ثلاثة أشكال من أشكال البيئة الاجتماعية: القرية والمخيم والمدينة.

*من كتاب \"الرواية في الأردن: فضاءات ومرتكزات\"