نبيل عبد الكريم
   
 

ولد نبيل محمود حسن عبد الكريم في اربد عام 1969، حصل على بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها يعمل مدرساً في مدارس وزارة التربية والتعليم وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

 

مؤلفاته:

  1. لصور الجميلة (قصص) 1996.

 

 

قصة:

دفتر الكلمات الجميلة

نبيل عبد الكريم

ألقت كتاباً أزرق الغلاف، فكان من نتيجة الإهمال والإزدراء الواضحين في حركة يدها أن ارتطم الكتاب بحافة المنضدة المجاورة وفرفرت أوراقه الحبيسة بين جلدتيه دون أن تنجح في حمايته من السقوط على الأرض منكفئاً على وجهه وقد تكسرت صفحاته.

-إن كاتباً واحداً جيداً يستطيع أن يتفوق بجملة واحدة على كل هذه الثرثرة.

قال ذلك لنفسها وهو تتمطى في السرير بقسوة جعلت عضلات فخذها اليمنى تتشنج وتثاءبت وأطلقت زفرة عاصفة.

كانت تفكر في قطعة شعرية صغيرة قرأتها هذا الصباح في ملحق الصحيفة الأدبي، ومثلما يقف المرء مبهوراً أمام الحقائق المفاجئة التي تلامس روحه وقفت هي أمام الأبيات الشعرية، وخفق لها قلبها خفقة واحدة كبيرة مدوية ثم توقف واعترتها رعشة عبرت جسدها باتجاهين متعاكسين نحو جلدة رأسها وأطراف أصابع قدميها قبل أن تسري عائدة، مثل تيار كهربائي، لتتجمع في قلبها وتعيده إلى الخفقان بسرعة هائلة. بهذا الأثر الفيزيائي كان جسدها يقيس، قبل عقلها، جمال الكلمات ويصدر حكمه عليها. كانت تثق برأي جسدها ثقة عمياء إلى درجة أنها فضلت اليوم قصيدة صغيرة على رواية غابرييل غارسيا ماركيز ذات الغلاف الأزرق وتركتها تقع أرضاً بتلك الحركة المزدرية ولسان حالها يقول:

-لو كنت أملك مقاليد جائزة نوبل لسحبتها من ماركيز ومنحتها لشاعر هذه الأبيات الرائعة.

والحقيقة أن المصير المهين لكتاب ماركيز المرمي على الأرض مقابل التكريم المشرف لقصاصات الورق التي تحوي قصائد الشاعر يشكلان تنفيذاً عملياً لتلك الرغبة وإن على نطاق محدود جداً. لم تكن هذه الأبيات الأولى لهذا الشاعر التي تلقى مثل هذا التكريم، فقد سبقتها أبيات أخرى له نشرت في أعداد سابقة من الصحيفة، فانضمت قصاصة اليوم إلى جوار قصاصات أخرى تحمل اسم الشاعر في سجل الشرف الذي تحتفظ به في درج مكتبها وتسميه: (دفتر الكلمات الجميلة). وبين دفتي هذا الدفتر كان يمكن عد سبع قصائد تحمل الاسم نفسه وهو عدد الرعشات الجسدية نفسه الذي حققته لها قصائد الشاعر.

كانت تعرف بالتجربة أن الاسترجاع المتكرر لكلمات الدفتر الجميلة يتناسب عكسياً مع استرجاع الرعشة اللذيذة المتعلقة بهذه الكلمات، وأن الرعشة تأخذ بالخفوت التدريجي شيئاً فشيئاً إن هي أفرطت في التكرار حتى تفقد الكلمات سحرها المادي وتتحول إلى مجرد معانٍ فلسفية لا تصلح إلا للتأمل الذهني هو شأن العلماء لا شأنها. وكانت تفكر:

-لا يكفي أن تكون الوردة جميلة، بل يجب أن تكون رائحتها جميلة أيضاً.

هذه المقولة فيها من البلاغة العفوية ما يلخص طريقتها الفريدة في التعامل مع الكلمات، فهي لم تكن تقرأها بل كانت تشمها شماً.

أحست، بعد الخيبة التي خلفتها في نفسها رواية ماركيز، بالظمأ الشديد لاسترجاع كلمات الشاعر التي تحفظها عن ظهر قلب. لكنها كانت تخشى، وقد استرجعتها اليوم مرتين بالإضافة إلى المرة الأولى، أن تتبدد الرائحة المثيرة للكلمات. فأخذت تدفع إلحاح ذاكرتها بالتفكير في الشاعر نفسه، لم تكن تعرف غير اسمه، فأخذت تتخيل شكله وعمره وتفكر في مقدار موهبته وعمق تجربته اللتين تجعلانه عبقرياً إلى هذا الحد. كانت أحلام اليقظة هذه تقودنا عادة إلى النوم، فبدأ النعاس ينتابها ومدت يدها لتطفئ الضوء عندما رن جرس الهاتف، كان صوته مخيفاً شرخ الصمت وأخرجها من توحدها، أسرعت إلى الصالة تريد إسكاته حتى لا يسبب مزيداً من الإزعاج للنائمين.

-بلال موجود؟ سألها الطرف الآخر.

-من بلال؟ سألت بغضب مكتوم ورعشة غائمة.

-بلال عليان.

-أخطأت الرقم. قال وهي تضع السماعة قبل أن تسمع رد الطرف الآخر.

لم يكن بين أهل البيت من يحمل اسم بلال، فجاء سؤالها: (من بلال) استنكارياً أكثر منه استفسارياً، وكانت قد أدركت، داخلياً، أن المكالمة خاطئة ومنتهية منذ سمعت الإسم الغريب، وجاء حوارها القصير مع الرجل، بعد ذلك، منيكانيكياً منه واعياً، الوعي الذي تحرك بسرعة هائلة لأخذ زمام القيادة بعد أن سمعت بقية الاسم، لكنه لم ينجح في منع يدها من وضع السماعة إنما جعلها تخطئ وضعها فسقطت وتدلت نحو الأرض فرفعتها إلى إذنها لتجد أن الخط قد انقطع. كان قلبها قد خفق خفقة واحدة كبيرة لم يخفق مثلها من قبل فتجمدت في مكانها بينما الرعشة تسري صاعدة هابطة في جسدها. وعندما فكرت في المصادفة العجيبة سرت الرعشة فيها مرة أخرى.

على الطرف الآخر، كان الرجل يحدق في قصاصة ورق مكتوب عليها رقم. كان يحس بالحيرة والشك، لم يكن متأكداً إن كان الخطأ في الرقم الموجود في القصاصة أم في الرقم الذي ضربه، وتذكر أنه كان شارد الذهن لحظة ضرب الرقم، وكان يخشى إن هو أعاد الضرب أن تصبح الهفوة سماجة، وتحول تردده إلى توتر مؤلم دفعه إلى القيام عن مقعده والمشي إلى آخر الصالة كما يفعل المفكرون.

وجد نفسه أمام صورة مكبرة لوجه شاب معلقة على الحائط. لم تعد الصورة بزيها العسكري و (البوريه) الصغيرة المائلة نحو الحاجب الأيسر تمثله. لقد حلق شاربه الذي يبدو في الصورة كثاً معقوفاً، كما أصبح شعره القصير طويلاً. كان قد قَرر منذ الصباح أن يخلعها من مكانها لكنه بعد أن قرأ الصحيفة أصبح ذهنه مشغولاً بأمر أنساه تنفيذ قراره. كان خلع صورته عن الحائط يمثل بالنسبة له خلعاً لحياته السابقة بأكملها، ولم يكن لينسى فعلاً بالغ الدلالة مثل هذا لولا الاكتشاف المؤلم الذي حملته إليه صحيفة الصباح وكان من الخطورة بحيث يهدد حياته القادمة بأكملها. وأحس الآن، وهو يقف أمام صورته، أنه يجب أن لا يتأخر لحظة واحدة عن تنفيذ قراره المنسي، فخلع فرده خفه البيتي اليمنى وارتقى بقدمه العارية بطن اريكة ليتمكن من إيصال ذراعيه إلى الصورة. كان ينزع الصورة بعناد وإصرار وكبرياء كمن يدافع عن شرفه وكرامته أمام عدو وقح يساومه عليها، وكان يفكر:

-لقد أسأت اختيار مهنتي مثلما أسأت اختيار أصدقائي.

كان نزع الصورة عملاً مزدوج الإصابة: فهو يمثل التخلي عن مهنة لم يحبها أبداً كما يمثل رداً على خيانة صديقه. والحقيقة أنه لم يكن في يوم من الأيام ضعيفاً ليناً، كان يملك قوته الخاصة به، لكنه كان يرفض على الدوام أن يستخدمها سواءً في موقع الآكل أوموقع المأكول، وهما الموقعان اللذان كانت ظروفه المحيطة به في العمل والحياة تجبره على التذبذب بينهما. كان بحكم مهنته يخالط فئة من الناس لا تعي طبعه المختلف وتعتبر تسامحه مع سكارى الليل ومتشردي الشوارع ضعفاً. وإذا كان قد سمح لصديقه الوحيد، الذي يحس أنه يفهمه ويقدر روحه الشاعرية ويستطيع أن يتبادل معه حواراً حقيقياً، أن يسرق جهده ويصعد على ظهره فلأنه كان يحس دائماً بالحاجة إليه، كان أول عمل يقوم به كلما أنجز قصيدة جديدة هو أن يتصل به ليقرأها له، وكانت كلمات التشجيع المستمرة المترافقة مع نظرات الإعجاب التي تصدر عنه كلما أسمعه قصيدة تزيد من إيمانه بنفسه وثقته بموهبته إلىأن بلغت المستوى المطلوب لاجتراح المغامرة، التي اعتبرها الناس حماقة، عندما قرر ترك وظيفته ليتمكن من نشر قصائده، كان يثق برأي صديقه ويصدقه، وقد ظلت لازمة صديقه التي تعود ترديدها على أذنيه تتصادى في رأسه طوال هذا النهار بعد الاكتشاف المؤلم ووجد نفسه يفصل بين الاثنين: صديقه ورأي صديقه. كان صديقه يكرر دائماً بنبرة صادقة حماسية:

-أقسم إنك شاعر، شاعر حقيقي.

أمس التقى صديقه مصادفة، كان لقاءً سريعاً لم يخبره فيه أن رؤساءه في العمل قد وافقوا أخيراً على قبول استقالته، وعلم منه أنه قد غير مكان سكنه فسجل رقم هاتفه الجديد على قصاصة انتزعها من علبة السجائر. هذه القصاصة بأرقامها المشوهة المكتوبة باستعجال ملقاة الآن على الطاولة إلى جوار الهاتف والرجل يذرع الغرفة من الطرف إلى الطرف في الحيز الذي تسمح به قطع الأثاث وقد بدأ يشعر بالبرود الحزين الفاتر والهدوء الفارغ اللذين يعقبان عادة زوال المشاعر الحادة المؤلمة، كان السؤال الذي يدور في رأسه بمرارة ودون ألم هو:

-كم قصيدة سرقت مني يا صديقي الوفي؟!

وكانت لازمة صديقه التي ظلت تترجع في ذاكرته منذ الصباح تضاعف مرارته. كان صديقه قد أخبره منذ زمن أن هذه الصحيفة تنشر قصائد الشعراء الجدد، لكنه لم يكن يشتريها تجنباً لمشاعر الحسرة والعجز التي توقع أن تسببها له مطالعة الملحق الأدبي فيها، وعندما يتذكر الآن حروف كلماته المطبوعة بأناقة على ورق الصحيفة إلى جانب (الاسكتش) الذي يمثل عصفوراً محزناً يحاول التحليق بإصرار خارج صف من القضبان المكينة، عندما يتذكر ذلك، بمعزل عن الاسم الذي يتصدر القصيدة بوقاحة، فإن شعوراً لذيذاً من الإزدهاء ينتابه حتى ليكاد يطغى على حزنه البارد والمرارة وتزول رغبته في الانتقام من سارق كلماته ويقول لنفسه بتعال:

-أنا الشاعر وهو علقة.

ثم تزول نشوته عندما يفكر في الخيانة التي تعرض لها وفي القصائد التي كان من المفترش أن تحمل اسمه ويعتريه الشك في قدرته على كتابة قصائد جديدة بجودة تلك، وتلح عليه الرغبة في مهاتفة صديقه كلما تخيله ينام سعيداً في وكره كلص لم تطله يد العدالة، وتدفعه الرغبة الملحة في معاقبة صديقه إلى إمساك سماعة الهاتف فيسترجع إحساسه المخزي بالخجل والغباء أمام صوت المرأة المشوب بلطف جارح. حسماً لصراعه الداخلي يقرر أخيراً أن يضرب الرقم مرة أخرى وأن يقطع الخط فوراً إذا سمع الصوت نفسه.

-بلال؟

-من المتكلم؟

-آسف لإزعاجك، لكنني أحببت أن لا أدعك تنام قبل أن أبلغك إعجابي الشديد بقصيدتك. كان الصوت يحمل نبرة خبيثة أرعبت بلال وثلجت أطرافه، ولم يكن صعباً عليه أن يعرف صاحب الصوت، لكنه أحس إن هو نطق باسم صاحب الصوت أن يكون نطقه هذا بمثابة اعتراف بجريمته فأعاد سؤاله:

-من المتكلم؟

-قصيدتك جميلة يا بلال، لكن يؤسفني أن تكون الأخيرة، فالأمور ستعود إلى نصابها اعتباراً من اليوم. كان يمكن لبلال أن يواصل إنكاره معرفة صاحب الصوت تجنباً لموقف مشين لكنه عاد فأحس أن هذا الإنكار سيحرمه حق الدفاع عن نفسه، وكان هذا ما يريده صاحب الصوت. ولحظة قرر بلال أن يجيب بنفسه على السؤال الذي طرحه مرتين كان الخط قد انقطع.

واصلت أحلام يقظتها إلى جوار الهاتف حتى غلبها النعاس فنامت على مقعد في الصالة، وظلت تضرع، حتى اللحظة الأخيرة من صحوها إلى صاحب المكالمة كي يكرر خطأه، وكان ذلك يشبه أن تربح ورقة يانصيب واحدة الجائزة الكبرى مرتين متتاليتين.

مر أسبوع على تلك الليلة، وهي جالسة الآن على حافة سريرها: رأسها مرفوعة إلى أعلى وبين يديها صفحة من جريدة، كانت جامدة مغمضة العينين تعلو وجهها تكشيرة تجعل الناظر إليها يظنها تشكو مغصاً أو إحساساً بالذنب. وعندما فتحت عينيها خرجت منهما نظرة حالمة. أخرجت شفرة وأخذت تقص بها قطعة مستطيلة من ورق الجريدة، فعلت ذلك بعناية واحتراز محاذرة الخروج عن الخط الأسود العريض الذي يؤطر قطعة الورق. قلبت الورقة ثم وضعت على زواياها الأربع قليلاً من الصمغ وفتحت دفتراً كبيراً سميك الجلدة على صفحة فارغة ثبتت فيها قطعة الورق. كانت تتجنب النظر إلى الكلمات لكنها تمعنت بالإسم الذي يعلوها وأخذت تفكر في شكل صاحبه وعمره وعبقريته وقالت:

-ها هو شاعر جديد يدخل مملكة الكلمات الجميلة.

*من مجموعة \"الصور الجميلة\".