الغناء الرِّيفي

الغناء الريفي، هو ذلك الغناء المنتشر في أرياف الأردن وخاصة في قرى ومدن الشمال والوسط لا بل أن هذا الغناء قد دخل كافة المدن الأردنية بقوة، لما له من ميزات فنية وجماهيرية لدى أبناء المدن والذين هم في الغالب ممن هجروا الريف إلى المدينة تبعاً لأعمالهم ومشاغلهم ومناصبهم التي باتت تغريهم بها المدينة.

وللغناء الريفي ميزاته الخاصة، فهو يُعبّر أصلاً عن إيقاع الحياة القروية ونبضها، إذ يتحدث عن الزراعة باعتبارها مصدر الرزق الأول في القرية، والمواسم الزراعية هي أجمل المناسبات العامة فيها، وطبيعة الحياة في القرية تختلف عنها في البادية ولذلك جاءت أغاني الريف أكثر سرعة ورشاقة وزخرفة منها في البادية بحكم الإيقاع الحياتي المتحرك النشط في مواسمها ومناسباتها.

يحتوي الغناء الريفي على مجموعة كبيرة من الأغاني التي تصاحب المناسبات الخاصة بالمجتمع الريفي الأردني، فمنها ما يخص شيخ العشيرة، ومنها ما يتعلق بمناسبات الزواج، وأخرى خاصة بالأطفال ومناسباتهم، وأغان أخرى للمعتقدات الدينية ومناسباتها، وألوان غنائية خاصة بكل موسم من مواسم الزراعة أو العمل بشكل عام، وأغان خاصة بالبكائيات والنواح.

وتُصاحَب معظم الأغاني الريفية الأردنية بآلات موسيقية شعبية منها الشَّبابة، المِجْوِزْ، اليَرْغُول، الطّبْلة، وأخيراً دخلت آلة (القِرْبة) معترك الحياة الموسيقية الشعبية في الريف والبادية، وتُؤدّى غالبية القوالب الموسيقية الريفية بشكل جماعي حيث ترافقها الرقصات (الدبكات) الشعبية المنتشرة على مساحة الأردن ويتقنها السواد الأعظم من الأردنيين.

وللغناء الريفي قوالب غنائية خاصة به تنتشر على امتداد الريف الأردني كله، بل وتتجاوز ذلك لتشترك مع الأقطار العربية المجاورة (فلسطين، سوريا، العراق، لبنان) وبمختلف القوالب الغنائية الريفية، وأهم هذه القوالب: دلعونا، زريف الطول، المهاهاه، العتابا، الميجنا، الجفرة، علاّ وْعلاّ... وغيرها.

قالب دَلْعونَا:

يعتبر قالب دلعونا من أهم القوالب الغنائية في الأردن على الإطلاق، نظراً لما يزخر به هذا القالب من مئات النصوص الغنائية بمختلف المضامين والأغراض، فهو لون غنائي ريفي ينتشر في كافة مناطق المملكة حتى البدوية منها، إضافة إلى انتشاره في الأقطار العربية المجاورة جميعها، وهو لون محبب لدى العامة، ويُعبّر بصدق عن أحاسيس الإنسان الأردني بعاداته، وتقاليده، وفكره، ومعتقداته، وأسلوب معيشته، وبمعنى آخر يُعتبر قالب دلعونا مرآة صادقة للحياة في المجتمع الأردني.

يتكون نص قالب دلعونا من بيتين من الشعر الشعبي العامي (أربع شطرات) تتحد الثلاثة الأولى منها في قافية واحدة، بينما تلتزم الشطرة الرابعة القافية الدلعونية (ونا) وهي الأحرف الثلاثة الأخيرة من كلمة دلعونا، ولتركيب القافية الدلعونية أو (القفلة الدلعونية) دلالة فنية هامة؛ هي أن المغني يجعل هذه القافية بنهاية ألفية ممدودة لحاجة قائد الدبكة المصاحبة لغناء دلعونا (اللوّاح) إلى سحب الراقصين (الدّبِيكَة) إلى القفز السريع في الهواء عند نهاية غناء كل مقطع من مقاطع دلعونا في الحركة الراقصة المسماة (التَشْييلة)، كذلك فإن هذه القفلة تُعطي للمغني إمكانية كبيرة في استكمال استعراض قدراته الصوتية بتزويق هذا الحرف الممدود، حيث يعتبر المد والتطريب بالمفهوم الغنائي الشعبي إشارة هامة ومتفق عليها بين الرباعي المؤدي لقالب دلعونا، إذ يعتمد غناء دلعونا وأداؤه بنماذجه المختلفة على أربعة عناصر هم: المغني، العازف، الراقصون، اللوّاح.

وقد تتبدل القافية الدلعونية من (ونا) إلى (وما) في بعض المقاطع الغنائية أي أن يستبدل حرف النون ميماً، ونرى أن هذا التبديل السليقي العفوي لهذه القافية ليس ذا تأثير على الروح الفنية للقالب، ولا سيما أن الإبدال قد تم بين حرفي الميم والنون (ونا- وما) وكلاهما حرفا غنَّة مخرجهما الخيشوم أقصى الأنف. كذلك فإن مفتاح غناء دلعونا يحتوي على تبديل آخر في القافية بين الشطرة الثالثة والرابعة لتلافي التكرار الذي قد يبعث الضعف والرتابة في نفس المغني والسامع لغناء دلعونا، كما نرى ذلك في مفتاح دلعونا الشهير التالي:

 

عَلَى دَلْعونـا وْعَلَى دَلْعونــا الْهَوا الشَّـمالِي غَيّرِ الْلونَـا
الْهَوا الشَّـمَالِي غَيَّرْلِي حَالِـي حَبَّتْ بَدَالِـي بِنْتِ الْمَلْعونَـا
 

ويتضمن قالب دلعونا عدة نماذج لحنية أساسية تشترك جميعها في البنية الإيقاعية والتركيبية وإن اختلفت فيما بينها من ناحية الزخارف اللحنية أو السياق الفني بأشكال بسيطة من منطقة جغرافية إلى أخرى، وفيما يلي مجموعة من النصوص الشعرية والنماذج اللحنية لقالب دلعونا:

 

عَلَى دَلْعونــا وْعَلَى دَلْعونـا

الْهَـوا الشَّمالِي غَيّرِ الْلونَا

الْهَـوا الشَّـمَالِي غَيَّرْلِي حَالِي

حَبَّتْ بَدَالِي بِنْتِ الْمَلْعونَا([1])

 

([1]) بدالي: بدلاً مني.

 

مدونة موسيقية (7)

\"note7\"

 

عَلَى الطُّفْطَافِ وْعَلَى الطُّفْطَافِ

قُلْتِلْها انْزَلــي قَالَـتْ بَخَافِ([1])

لَعْمَلِّكْ سُِـلَّم ظَهْرِي وِاكْتَافِـي

بَـسِّ انْتِ انْزَلِي يا امَّ العْيُونـا

على دَلْعونا وْليشْ دَلّعْتِينــِي

عْرِفْتِينِي مْجَوَّزْ ليش اخَذْتِينِي([2])

لاكْتُــبْ طَلاقِـكْ عَ وَرَقْتيـنِ

واجْعَل طَلاَقِــكْ في هَذَا اليومَا

 

([1]) الطفطاف: حافة السور أو حافة سطح الدار.

([2]) أخذتيني: بمعنى تزوجتيني.

 

مدونة موسيقية (8)

\"note8\"

 

قالب زَرِيف الطُّول: 

قالب زريف الطول من القوالب الغنائية الشائعة في التراث الشعبي الأردني، حيث يتغنى به أهل الريف والبادية على حد سواء، في كافة أفراحهم ومناسباتهم السعيدة. يُصاحَبُ غناءُ هذا القالب بإحدى الآلات الموسيقية الشعبية، ويُؤدّى من خلال رقصات الدبكة الشعبية حيث يؤديه الرجال والنساء كل في حلقة خاصة. وأحياناً قد يُؤدّى مشتركاً بين الرجال والنساء كما في الدبكة الشعبية المشتركة المسماة (الحَبْل الموَدّع).

ونؤكد هنا أن كلمة (زريف) بحرف (الزَّاي) هي الصحيحة في قالب زريف الطول وليست كلمة (ظريف) بحرف (الظَّاء)، أي أنها تُكتب كما تُلفظ وتُغنى، حيث أنها اشتُقت من اسم وصِفة حيوان (الزرافة) المتميز بطول العنق وهي من أهم الصفات المرغوبة في المحبوب والذي يكثر ذكره وتعداد صفاته في قالب زريف الطول، كذلك فإن كلمة ظريف تعني الكيِّس الحاذق وحلو المعشر، وهي ليست بأية حال من الصفات الملازمة للطول الذي ينادي به القالب، كما أن هنالك دليل آخر يؤكد ما ذهبنا إليه وهو أن العامة في الأردن وهم أهل الريف والبادية وأصحاب هذا القالب لا يبدلون حرف (الظاء) بحرف (الزاي) في حديثهم ولا في كتابتهم (غوانمة، 1989، ص129).

ينتظم نص قالب زريف الطول في بيتين من الشعر أي في أربع شطرات، تشترك الثلاثة الأولى منها في قافية واحدة في حين تلتزم الشطرة الرابعة بالقافية الزريفية المكونة من حرفي النون والألف الممدودة (نَا). أما غناء القالب فيأتي في عدة نماذج لحنية تشترك بمواصفات أساسية في التركيب البنائي وإن اختلفت في بعض الزخارف والحركات النغمية من منطقة إلى أخرى، كما في الأمثلة التالية:

يا زَرِيفِ الطُّـولْ وَقِّفْ تَاقُولَّكْ

رَايِحْ عَالغُرْبَه وِبْلادَكْ أحْسَنْ لَكْ([1])

خَايِفْ يا مَحْبُوبِ تْروح وْتِتْمَلَّكْ

وِتْعَاشِــرِ الغيرِ وْتِنْسَـانِي أنا([2])

 

([1]) وقف: قف. تاقولك: حتى أقول لك.

([2]) تعاشر الغير: تصبح لك صداقة ومحبة مع غيري.

 

مدونة موسيقية (9)

\"note9\"

 

يا زَرِيفِ الطُّولِ النِّيِّة عَ الِعْرَاقْ

والشَّعُر لِشْقَر مْلَفْلَفْ بَالِوْرَاقْ([1])

ريتَكْ مَا هَلّيتْ يَا شَهرَ الِفْراقْ

فَرَّقِتْ مــا بينِي وْبينِ حْبَابِنا([2])

 

([1]) بالوراق: بالأوراق.

([2]) ريتك: ليتك.

 

مدونة موسيقية (10)

\"note10\"

 

قالب الجَفْرَهْ:

قالب الجفرة من القوالب الغنائية الأصيلة في الأردن، فهو ينتشر في كافة مناطق الأردن وإن كان له في شماله مكانة متميزة، حيث يُغنى أثناء انعقاد حلقات الدبكة الشعبية، ويُصاحب عادة بإحدى الآلات الموسيقية الشعبية. ومن الجدير بالذكر أن هذا القالب متداول في جميع الأقطار العربية المجاورة للأردن، وقد تغنى به عدد من المطربين الأردنيين والعرب أمثال: سلوى وسميرة توفيق وغيرهما. ومن الطريف ذكره أن الجفرة هي أنثى الماعز (العنزة) البكر السمينة الممتلئة الجسم بغير إفراط في السُّمنة، والجميلة المنظر، الرشيقة القوام، وجميعها صفات يحبذها المحب الريفي في محبوبته، لذلك تراه يشبه هذه المحبوبة بتلك الجفرة.

يتكون قالب الجفرة من بيتين من الشعر الشعبي ينتظمان في أربع شطرات غنائية تنتهي الثلاث الأولى بقافية واحدة، في حين تلتزم الشطرة الرابعة بالقافية الجفراوية المكونة من حرفي الياء المشددة والهاء (يّه)، ويأتي غناء هذا القالب بعدة نماذج لحنية تشترك في سماتها الأساسية، وتختلف باختلاف اللهجة فقط من منطقة إلى أخرى، وفيما يلي بعض النماذج النّصيّة واللحنية لقالب الجفرة:

 

جَفْـرَه وْهي يَالرَّبُعْ تِخْبِزْ عَلَى الصَّاجِ

مَدقُـوق عَ صْديرِها خِرْفــانْ وِنْعَـاجِ([1])

لا تــِزْعَلِنْ يا لسُّـمُرْ وَالبِيضْ غَنَّاجِ

والبِيضْ شَـحْمِ القَلُبْ والسُّـمُرْ عِينيَّه([2])

جَفْرَه وْهي يَالرَّبُعْ مِنْ صَافِحْ لَصَـافِحْ

وِالشِّفِّة تْنقّط عَسل تْعبّي الصَّحِنْ طَافِحْ([3])

وِانْ حَلَّفُونِي يَمِينْ لاحْلِفْ عَالْمصاحِفْ

غيرَك ما بوخِـدْ حَدَا يا نُورْ عِينَيَّــهْ([4])

 

([1]) الربع: الأصدقاء والأصحاب. الصاج: قطعة معدنية مستديرة مقعرة مصنوعة من الحديد المسمى (الصَّاج) تستخدم في صناعة الخبز لدى أهل البادية. مدقوق: موشوم بالوشم. صديرها: تصغير صدرها.

([2]) غناج: من الغنج أي الدلال والتدلل.

([3]) من صافح لصافح: من سفح جبل إلى سفح الجبل المقابل. تعبي: تملأ.

([4]) غيرك ما بوخد حدا: بمعنى لن أتزوج أحداً غيرك.

 

مدونة موسيقية (11)

\"note11\"

 

مدونة موسيقية (12)

\"note12\"

 

قالب التَراوِيد:

قالب التراويد من أهم القوالب الغنائية الشائعة في الأردن وجيرانه العرب وهو عبارة عن أهازيج غنائية قديمة، ذات ألحان متعددة ومتنوعة تنتشر في جنوب البلاد وشمالها، يُغنيها الرجال والنساء في البادية كما هو الحال في الريف ولكل من الرجال والنساء تراويده الخاصة به، والتي تُغنى عادة في الليلة الأخيرة من ليالي السهرات الخاصة بالعرس الأردني (التعاليل)، وتلك الليلة هي المسماة بليلة الحناء أو (ليلة الدَّخلة)، حيث يكون قالب التراويد آخر القوالب الغنائية التي تؤدى في تلك الليلة، ويتم الغناء أثناء تَحْنِية يد العريس بالحناء من قبل مجموعتين تتبادلان غناء المقاطع فيما بينهما، وفي العادة لا يصاحب هذا القالب بالعزف من أي من الآلات الموسيقية.

ويتكون نص قالب التراويد من أبيات شعرية عامية غير محددة العدد، تتحدث جميعها عن أوصاف العريس أو العروس وتُشبّه كلاً منهما بالغزال، وكذلك تصف نصوصها حالة كل من العروسين ومشاعرهما الفَرِحة بهذه المناسبة والحزينة على فراق كل منهما لبيت أهله ومرابع صباه، وتتضمن كذلك نصائح يسديها لهما أصدقاء كل منهما بضرورة عدم نسيان الأهل والأصدقاء وخاصة العروس إذا كان زواجها من شاب من خارج البلدة، وتالياً مجموعة من النماذج الغنائية لقالب التراويد:

رُحْـتَ أحُـوشَ القِطْـنِ

صَـادَفْنِـي غَــزَالْ([1])

يـا غَــزَالَ الْهـــولِ

مِـلاَّهُـو غَـــزَالْ([2])

قُلِــتْ يـا (مْحَمَّــدْ)

وِمْنيـنْ لَكْ هَالغَـزَالْ([3])

قَـــــالِ حُشْـــتُهْ

البَارِحَـهْ حِينَ المنَــامْ

 

([1]) أحوش: أجمع. القِطن: محصول القطانة (العدس والكرْسنّة). صادفني: واجهني صدفة.

([2]) غزال الهول: كناية عن الجمال الفتان الآسر للغزال (الفتاة).

([3]) منين: من أين.

 

مدونة موسيقية (13)

\"note13\"

 

سَبـَّلْ عُيُونُهُ وْمَدِّ ايدُهْ يِحَنُّونُهْ

وِشْ هَالغَزَالِ الَّذِي رَاحُوا يِصِيدُونُهْ

سَـبَّلْ عُيُونُهُ وْمَدِّ ايدُهْ يِحَنُّونُهْ

غَزَالِ زْغَيِّــرِ وْكيفَ اهْلُهْ يِتْرُكُونُهْ

 

 

مدونة موسيقية (14)

\"note14\"

 

لِمِّـي يا لِمِّـي وْحَشِّي لِي مَخدَّاتِي

وْطَلَعتِ مَنْ البيتِ وْمَا وَدَّعْـتِ خَيَّاتِي([1])

لِمِّي يا لِمِّـي وْهَـيِّ الي قَرَامِيلِـي

وْطَلَعْتِ مْنَ البيتِ وْمَا وَدَّعْتَ أنا جِيلِي([2])

 

([1]) لمي يا لمي: أمي يا أمي.

([2]) هي لي: هيئي لي. قراميلي: جدائل شعري. جيلي: صديقاتي اللواتي في مثل عمري.

 

مدونة موسيقية (15)

\"note15\"

 

16/10/2012

 

المصدر: الأهزوجـة الأردنيـة، د. محمد غوانمه، وزارة الثقافة، إصدارات مكتبة الأسرة، عمان، 2009.