الغناء البحري

الغناء البحري محدود جداً في الأردن، وذلك لضيق المساحة البحرية التي يطل عليها، إذ لا توجد في الأردن سوى منطقة غنائية بحرية واحدة هي مدينة العقبة (أيْلَة) على رأس الخليج المسمى باسمها (خليج العقبة) أقصى جنوب الأردن.

وتترسم الأغنية الشعبية البحرية في الأردن السمات العامة لأغاني البحر في المدن البحرية العربية القريبة وخاصة المصرية والسعودية (الحجازية)، ونظراً لوحدة أسلوب العمل في تلك المدن والاتصال المباشر بين البحارة فيها فقد انعكست على أغاني البحر في العقبة ملامح وخصائص ومزايا أغاني البحر في الموانئ العربية المجاورة  من حيث النص واللحن والغرض وطريقة الأداء (المنزلاوي، 1993، ص125).

والأغنية البحرية في العقبة هي أغنية خاصة بالعمل في أغلب الأحيان وخاصة الصيد البحري، فقد استعان بها البحارة لتصاحب خطوات ومراحل عملية الصيد التي قد تطول وتستمر لعدة أيام في عرض البحر، فاتخذ منها البحارة وسيلة للترفيه عن أنفسهم وتسليتها خلال رحلة الصيد التقليدية الشاقة، فكانت صيحاتهم وأغانيهم تملأ البحر، وتتجاوب مع حركة أمواجه أو حركة جذبهم لشباكهم بإيقاعات منتظمة متناسقة شكّلت إيقاع أغانيهم.

وفي العادة لا يستخدم البحارة آلات موسيقية لمرافقة أغانيهم خلال ساعات العمل الجاد في عرض البحر، حتّى وإن كان ذلك فلا يخرج عن بعض الضربات الإيقاعية على بعض أوانيهم أو على دفة سفينتهم أو إحدى الآلات الإيقاعية مثل الطار، أما في ساعات الراحة أو العودة إلى الشاطئ فإن لآلة السمسمية مكانة خاصة لدى البحارة، فهي الآلة الموسيقية الأولى في غناء البحر.

وأغاني البحارة سهلة بسيطة تنسجم مع طبيعة العمل وجو الشواطئ ولا تستنفذ من البحّار الجهد الكبير فجهده الأساسي موجه نحو عمله وما غناؤه إلاَّ للتسلية والترفيه، فقد كانت أغاني البحارة تقصر أو تطول بحسب نوع الرحلة وطبيعتها ومشاقها ووفقاً للزمن الذي تتطلبه تلك الرحلة.

وتنتشر في مدينة العقبة ألوان من الأغاني المصاحبة للرقصات الجميلة التي ترافقها إيقاعات الطار التي يستمتع بالاستماع إليها ومشاهدتها وأدائها جميع أبناء العقبة مثل: رقصة العَرْضَة، ورقصة الرْفَيحِي، وهما من أهم الرقصات العقباوية الأصيلة، وإن كان لهاتين الرقصتين جذور وملامح حجازية، كذلك ينتشر في العقبة غناء ورقص السحجة البدوية المعروفة لدى البدو باسم (السّامر)، وتستخدم كذلك آلة الربابة في مصاحبة غناء الأشعار والقصائد القصصية، وقد أنشئت في العقبة عدة فرق للفنون الشعبية، ساهمت جميعها في إبراز لون الغناء البحري وقدمته بصور فنية جميلة من خلال مختلف المناسبات الرسمية والشعبية.

وتجدر الإشارة أن معظم أغاني البحر إن لم تكن جميعها هي رِجَاليَّة الأداء، وهي تغنّى في أكثر من موقف وخاصة في مناسبات الأفراح (الزواج)، وهنالك مجموعة وفيرة من تلك الأغاني في العقبة، ومن أشهرها الأغنية التالية والتي تتغنى بمدينة العقبة ولحنها شبيه تماماً بلحن الأغنية المعروفة (عاليادي اليادي)، وتُغنى بمرافقة آلة السمسمية وإيقاع آلات الطار والطبلة.

 

عَالْيَادْي الْيَادِي الْيَـادِي

يامَا أحْلَـى الصُّحُبِيَّهْ([1])

عَلَى شَـطِّكْ يَالعَقَبَــهْ

يا عَرُوسَـهْ بَحْــرِيَّهْ

يا بَسْـمِة ثَغْـرِ بْـلادِي

يا نِسْــــمِةْ حِنِّيِّـهْ

هَمْسَــة بَحْـرِك للنّخلَه

بْنَغْمِة سِـمْسِــميَّهْ([2])

يــا نَـاسْ قَلْبِي هَوَى

بْنَيَّهْ عَقْبَــــاوِيَّهْ([3])

مـا احْلَى قَعْدِتْنا سَـوَى

عَلَى شَــطِّ الميَّـــهْ

ما احْلاهَا بْلِبْسِ الطَّرْحَهْ

مَـعِ الجَـلاَّبِيَّــــهْ

لمــا نْعُودِ مْنِ السَّرْحَهْ

نِعْمَـلْ صَيَّـــادِيَّهْ([4])

 

([1]) الصُّحُبيَّهْ: لمَّة الأصحابْ.

([2]) بنغمة سِمْسِمِيَّهْ: مثل معزوفة جميلة على آلة السمسمية.

([3]) ابنيه عقباويه: فتاة صغيرة من العقبة.

([4]) السرحه: رحلة الصيد. صياديه: نوع من الطعام مادته الرئيسية هي السمك الطازج.

 

مدونة موسيقية (16)

\"note16\"

 

16/10/2012

 

المصدر: الأهزوجـة الأردنيـة، د. محمد غوانمه، وزارة الثقافة، إصدارات مكتبة الأسرة، عمان، 2009.