الموسيقى التقليدية الفنيّة

يرى تران فان خي (Tran Van Khe) أنّ:

\"إلى جانب الموسيقى الشعبية – الفلكلورية، وحسب آراء بعض علماء الموسيقى   (musicollogues)– توجد موسيقى أخرى فنية. ويمكن لهذه الأخيرة أن تجد جذورها في موسيقى الشعب ولكن مع اختلاف بدرجة صقلها، ووظيفتها، وهي تحتاج لآلات أحسن صنعاً، ومهارة غنائية وأداء عزف أكثر دقة وإتقاناً، وسلالم موسيقية أكثر تنوعاً، ولغة موسيقية أكثر تنظيماً وتنسيقاً، ولوقت تعلّمٍ أطول زمناً، ... وهذه الموسيقى مبتكرة بدقة فنية، ومؤسسة على نظريات متينة وصيغٍ جماليةٍ مرهفة، ولا يمكن اعتبارها فولكلوراً بسيطاً\".

الموسيقى التقليدية الفنية في الأردن لها نفس المميزات والتقاليد العربية فهي وحيدة الصوت (Homophonic)، ولحنية (melodic) ولها إيقاع مستمر يذكّر بأسلوب \"الغناء المتقن\" الذي عُرف بعصر الأمويين والعباسيين. ولذلك سوف نقتصر البحثَ على الخصائص التي تهم التقاليد في الأردن.

لم يَعرف شرقي الأردن عن الموسيقى التقليدية كثيراً إلا بعد التحرر من العثمانيين (1917). لكن بعد أن أضحى الأردن دولة مستقلة، ارتحلت بعض العائلات السورية واللبنانية إلى الأردن متحاشين الاستعمار الفرنسي، حيث وجدت فيه الأمن والطمأنينة. وكان لهذه العائلات أن أحضرت معها تقاليدها التي أثّرت على المجتمع في شرق الأردنّ. ولعلّها أدخلت معها الموسيقى التقليدية السورية كالموشحات والأغاني الفنية مثلاً.

أمّا فلسطين فكان لها منذ أمَد بعيد صلات بالموسيقى التقليدية، فموسيقى المتصوفين المسلمين مثلا، كانت تلقى عناية جيدة في زوايا الصوفية منذ أمدٍ بعيدٍ وحتى الاحتلال الإسرائيلي عام 1948. إذ تغنّى الناس بالمدائح النبوية وترتيل القرآن وتجويده، و إن بعض الأغاني الدنيوية المعروفة مستوحاة من هذا الفن الموسيقي الديني. ونأتي بأغنية فوق النخل فوق مثلاً، التي كان أصلها موشحاً دينياً يبدأ بالجملة التالية: فوق العرش فوق. ولقد انتشر هناك كثير من القوالب الفنية المعروفة في بلاد الشّام منذ القدم كالموّال أو الموشح أو الأغنية الفنية.  انتشر الفلسطينيون بعد عام 1948 في أرجاء الوطن العربي واختار قسم كبير منهم أن يستقر في الأردن الذي استجاب بكرمٍ لندائهم.

طَبع الأسلوبُ الموسيقي المصري الموسيقى والذوقَ العام في المنطقة العربية منذ طفرته الكبيرة في بداية هذا القرن. ولقد عُرِفت المواويل المصرية والأدوار والأغاني المصرية منذ تلك الفترة في الأردن وفلسطين. وقام لفيفٌ من الموسيقيين العرب برحلاتٍ فنية فيهما.

لقد حاولت الموسيقى التقليدية تلَمُّس طريقها في خِضمّ الأغاني الشعبية الأردنية وذلك في أثناء سِنيّ الاستقلال، إذ ذهب عدد من الشباب الأردنيين إلى مصر ليتعلموا الموسيقى، ولكنهم عادوا لأرض الوطن يُقلِدون الأسلوب المصري. و نفهم من ذلك أنّ التراث الموسيقي لهذه الحقبة من تاريخ الموسيقى الأردنية يتبع النظريات والقوالب وفن الأداء العربي في مصر وسوريا.

 

النظريات الموسيقية التقليدية:

اللحن:

وترتكز نظريات الموسيقى العربية على مفهوم ظاهرة المقام. ولقد تَبنىّ الموسيقيون الأردنيون المقامات المعروفة في الوطن العربي، وكل الأجناس أيضاً مثل: الراست والحجاز والسيكاه والصبا والبياتي والنهوند والعجم والجهاركاة وغيرها.

 

\"music1\"

 

مثال موسيقي رقم (19) أجناس موسيقية

 

وتشكل الأجناس أساس النظرية الموسيقية العربية. ولكل جنس جوّه أو إحساسه الخاص، ولا يأتي هذا الجوّ من الترتيب الخاص لأبعاده فقط وإنما أيضاً من استعمالها في الصناعة العملية. وإن التناقل بالتلقين هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى إتقان دقائق كل جنس أو كل مقام.

 

الإيقاع:

الإيقاع يشكل الشّق الثاني للموسيقى العربية والذي يطلق عليه أيضاً اسم \"الضرب\". ويتكون من عنصرين رئيسيين وهما \"الدُّمْ\" و\"التَّكْ\".  ومصطلح الدُّم يعني الضربة الثقيلة في أُنْسي (مركز) الآلة الإيقاعية كالطبلة أو الدّف أو غيرهما، بينما التَّك فتعني الضربة الخفيفة في وحشي الآلة، أي قرب الإطار، والسكتة تأتي كثالث هذه العناصر. ويرافق الضربُ إجمالاً الغِناءَ وبعض القوالب الآلية. والموسيقى العربية غنيةٌ بإيقاعاتها كغناها في مقاماتها. وأكثر الضروب العربية معروفة في الأردن، كالسماعي الثقيل والمصمودي والنواخت والدور الهندي والدارج أو اليُوروك والأقصاق وغيرها.

 

\"music2\"

مثال موسيقي رقم (21)بعض الضروب العربية  

 

 

المصدر:

الحياة الموسيقية في الأردن، د. عبد الحميد حمام، وزارة الثقافة، عمان، 2008. \"بتصرُّف\"