الموشّحات

اجتمع للموسيقى في عصر الخلفاء العباسيين عدد كبير من المغنين والعازفين على الآلات الموسيقية المختلفة من ذوي المهارة والعلم فكان لهم أن طوّروا هذا الفن ورفعوا قدره.

وكان الموسيقيون من أمثال إبراهيم الموصلي، وابنه إسحق، والأمير إبراهيم بن المهدي، وابن جامع، فضل ابتكار \"النوبة\" من توالي الغناء بالتناوب بينهم في مجالس الخلفاء والأمراء والأغنياء. ولقد قُيِّض لهذا الفن أن ينتقل من المشرق إلى المغرب، ولعل أكثر الفضل بذلك يعود إلى زرياب موسيقي قرطبة الكبير. الذي فاق أستاذه إسحق الموصلي؛ مما أدى لغيرته وخشيته إن بقي زرياب في بغداد لينافسنّه ويعلو عليه وبالتالي هدّده وتوعدّه، فما كان من زرياب إلاّ أن ترك بغداد مُيَمِّماً رَحْلَهُ وجهة شمال إفريقيا ومنها إلى الأندلس حيث استقبله الخليفة عبد الرحمن الثاني (822- 852) بنفسه. ولزرياب يعود الفضل بإدخال أسلوب المدرسة العربية القديمة المحافظة إلى المغرب والأندلس .

ولقد أنبتت النوبةُ في الأندلس قالباً جديداً أسموه الموشح، وذلك يعني المُزيّن أو المزركش. وكان الموشح وما زال نوعاً من الشعر ذو مقاطع يتغير فيها الوزن والإيقاع. ولقد حُفِظ هذا الفن الغنائي في بلاد المغرب العربي وفي بعض بلاد المشرق، خاصة في حَلَب وفي مصر وأجزاء أخرى من الوطن العربي[1]. والموشح المشرقي يختلف عن الأندلسيّ.

ويحتمل الموشحُ المشرقي كلا من العامية والفصحى على السواء، خلافا لما كانت عليه العادة من نظمه بالفصحى كما يقول صفي الدين الحلي في كتابه: \"العاطل الحالي والمرخص الغالي\" وذلك في سياق حديثه عن الفنون السبعة:

\"منها ثلاثة معربة أبداً، لا يُغتفر اللحن فيها، وهي الشعر، المُوشّح، والدوبيت. ولهذا أفردتها في ديواني الكبير. ومنها ثلاثة ملحونة أبدا، وهي الزّجل، والكانْ وكأن، والقُوْما \".

والموشحات المعروفة اليوم على قسمين: منها مجهول الشاعر والملحن وهي أقدمها، وأخرى حديثة العهد معروف ملحنها وبعض شعرائها. وممن طرق بابها من المحدثين: كامل الخلعي، وعلي الدرويش، وعثمان الموصلي، وسيد درويش وغيرهم كثيرون.

في الأردن، يقدم المغنون الموشحات بالأسلوب التقليدي. وقد ينشدونها منفردة أو في مجموعاتٍ، كالنوبة، ويطلق عليها في الأردن، كما هي الحال في مصر اسم \"الوصلة\" .

ويتألف الموشح من ثلاثة أقسام وهي الدَّور، والخانة، والغطاء،  ويأخذُ الغطاءُ إذا توفرّ في الموشح، نفس لحن الدّوُر وتختلف الخانة عادةً. ولكن الأقسام الثلاثة تجري في مقام واحد ولا تنتقل عادةً لمقامات أخرى إلاّ في الجديد منها. ويقوم بغناء الموشحات مغنون منفردون أو مجموعة من المنشدين بمرافقة آلية من التخت أو الفرق الموسيقية.

وكان التخت قديماً يتكون من عود، وناي وقانون، وكمنجة وإيقاع ( طبلة أو دف أو رِقّ) ، أما الآن فيمكن للفرق الكبيرة أن ترافق المنشدين، وبصوت واحدٍ طبعاً وبدون إدخال الهارمونيات أو تعدد الأصوات.

يلعب الإيقاع دوراً رئيسياً إلى جانب اللحن. ولكل موشح ضَرْبه الخاص والذي يُفترضُ أن يكون أحد الضّروب العربية التقليدية. وهذا موشح يا هِلالاً من مقام الراست وضرب النواخت؛

 

\"music3\"

مثال موسيقي موشح يا هلالاً 

 

وكلمات هذا الموشح من الفصحى ويتألف من دورَين وخانة وقفل وكلماته كما يلي:

دور :        يا هلالاً غاب عني واحتجب

دور :        وهجرني لا بذنبٍ وسبب

خانة :      في الهوى ما نابني غيرُ التعب

قفل :      وانقضى العمر ولم أبلغ الأرب

أما الوصلة في الأردن فتبدأ بقطعة من الموسيقى الآلية . ويمكن أن تكون سماعياً أو بشرفاً أو تقسيماً. والسماعي يُعرف بإيقاعه السماعي الثقيل فلقد نُسِب القالب لإيقاعه. والبشارف والسماعيات المعروفة في الأردن وَصَلَتْه من مصر وسوريا. وتُقَدَّم الوصلة الغنائية حسب مقامها وتُعرف به، كما أن موشحات الوصلة تتحرك عادة بنفس المقام أو بالمقامات المجاورة له أي من زمرته.  وفي وصلة الراست مثلاً، يُمكن غناء موشحات بمقامات من زمرته مثل الرهاوي، والماهور، واليكاه، والسوزناك وغيرها. وفيما يلي أحد أشكال الوصلة كما قدمها أساتذة وطلبة المعهد الموسيقي في عمان عام 1972 في إحدى أمسياتهم الموسيقية وبإشراف السيد رضوان المغربي.

وصلة في مقام الراست

  1. سماعي طاتيوس في مقام الراست
  2. موشح ملا الكاسات مقام الراست    وضربه سماعي ثقيل .
  3. موشح يا شادي الألحان     مقام سازكار وضرب مصمودي .
  4. موشح ما احتيالي           مقام راست        ضرب نواخت
  5. موشح صحتُ وَجْداً         مقام السازكار      ضرب دور هندي

وحسب مُعطيات هذه الوصلة يمكننا أن نلفت الانتباه للملاحظات التالية:-

  • تبدأ الوصلة بأحد السماعيات وبنفس المقام .
  • الموشحين الثاني والرابع من مقام السازكار أحد مقامات زمرة الراست .
  • تبدأ الضروب بالثقال (البطيئة) وتنتهي بالخفاف (السريعة) .

وهذا الترتيب الإيقاعي (من البطيء إلى السريع) يُذكر بمنهج زرياب والأندلسيين ومن دَرَج على طريقتهم من المغاربة .

 

المصدر:

الحياة الموسيقية في الأردن، د. عبد الحميد حمام، وزارة الثقافة، عمان، 2008. \"بتصرُّف\"




[1] - من الموسيقيين  الذين لهم الفضل في أحياء هذا الفن (الموشح) في مصر وفلسطين، نذكر من السوريين أحمد القباني، وعمر البطش، ومن المصريين سيد درويش.