الثقافي والفني.. مفردتان تتكاملان في "جرش" ... إبراهيم السواعير

 

(القصيدة المغنّاة) في مهرجان جرش 2016 تمثّل وجهه المشرق وعنوانه الأصيل؛ من خلال مغناة وطنيّةً تحمل مبادئ الثورة العربيّة الكبرى ومنطلقاتها يُفتتح بها المهرجان ويصدح بكلماتها فنانون أردنيّون كفيلةٌ بأن تكون بياناً موضوعيّاً لمهرجان يضع في حساباته ما تحمله القصيدة أو تشتمل عليه الأهزوجة، وتحديداً حين تتقدّم المغناة عادةً قصيدة لشاعر الأردن الكبير العين حيدر محمود، التقطت إدارة المهرجان مضامينها وبادرت إلى أن تصل إلى الجمهور الذي عرف ما يتوافر عليه هذا الشاعر من مقدرةٍ عالية في صوغ قيم الأردن ورسالة قيادته الهاشميّة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً مشرقاً بالقصيدة العذبة والحروف الذهبيّة التي تناقلتها منصّات الإبداع ونشأ عليها هذ الجيل المبدع من الشباب.
ثمّ، إنّ مشاركة شاعرٍ كبير هذا العام بقامة الناقد الكبير الدكتور صلاح جرار في حفل افتتاح المهرجان لينبئ عن إدراك المهرجان لقيمة القصيدة في حمل المعاني الوطنيّة والإنسانيّة وترسيخ هذه المعاني لدى شبابنا وعائلاتنا الأردنيّة وضيوفنا العرب والأصدقاء بإبداعٍ أدبي. إنّه لتوجّهٌ حكيم لدى إدارة المهرجان ولجنته التنفيذية العليا في أن تفسح للقصيدة هذا المجال إلقاءً حيّاً أو عذوبةً فنيّةً على ألسنة فنانينا الأردنيين.
وللإنصاف، فقد كان بإمكان إدارة المهرجان أن تعمد إلى استضافة شعراء أردنيين أو عرب بعينهم، من غير استشارةٍ أو حتى تزكية، لكنّها جعلت الكرة في ملعب المختصين والهيئات الثقافيّة والروابط والاتحادات لأن يستضيفوا- وفق معايير موضوعيّة ومقاييس بالتأكيد إبداعيّة، أو هكذا يفترض أن تكون- ضيوفهم طيلة البرنامج الشعريّ الذي تكفّلت به رابطة الكتّاب الأردنيين، لتفرز خلال اتفاقيات دورية مع المهرجان شعراء شباباً أو محترفين أو لترجئ استضافة أسماء- على إبداعها محليّاً أو عربيّاً- باتت تشارك كثيراً في دورات هذا المهرجان.
إنّ توقيع اتفاقيات الشراكة مع اتحاد الكتاب ورابطة التشكيليين ونقابة الفنانين وكثيرٍ من الهيئات ذات الحضور وصاحبة الاختصاص أمرٌ يعطينا فكرةً بأنّ صدر المهرجان رحب برحابة صدر إدارته، وإذا كان طموح المثقفين في أن تزداد مساحة الشعر في جرش فإنّ هذا الطموح مبررٌ في مهرجانٍ يحمل الثقافة مثلما يحمل الفنون، وللحقيقة، فإنّنا لا يمكن أن ننكر هذه المساحة التي تنامت بشكلٍ كبير هذا العام وفي السنوات القليلة الماضية، لتشكّل مفردات برنامجٍ ثقافي بات من أولى أولويات هذا المهرجان الوطنيّ المهم.
ولأنّ الاستقصاء يتطلب شواهد وأرقاماً بخصوص البرنامج الثقافيّ في جرش، حتى نجاوز الانطباعات العجلى التي عادةً ما تكون متأثرةً بظروف معيّنة أو بسياقات واضحة، فإنّ الاستئناس بعيّناتٍ من دورات المهرجان مطلبٌ ضروري- وهي عيّنات على ما أحسب تكوّن لنا صورةً حقيقيّةً تزداد بهاءً ووضوحاً في كلّ دورةٍ جديدة منه، فعادةً ما تبدو الفكرة خجولة على نُبلها لتغدو ناصعةً شديدة الوضوح بل لتتأطّر على مستوى التطبيق عملاً له أصولٌ وأركان وقواعد، وهو ما يشهده البرنامج الثقافيّ في جرش اليوم.
في دورة قريبة جدّاً من دورات المهرجان، وقريبة جداً أيضاً من دورات رابطة الكتاب، كنّا أمام مفردة ثقافيّة في (جرش) تتوهّج بين الشعر والتنوير، مثلما كنّا أمام استضافة أردنيّة ضخمة لكتاب آسيا وإفريقيا، بحضور أكثر من عشرين ممثلاً عن الاتحادات والروابط في هاتين القارتين، بالإضافة لرؤساء اتحادات الكتاب العربيّة.
وفي ذلك، نستعيد ما كان قاله مدير عام مهرجان جرش محمد أبو سماقة لـ(الرأي) من أنّ (الفعل الثقافي أصبح واجباً يحمل أجندة الوطن والأمّة، وتُستثمر من خلاله الرسالة الوطنيّة التي تعبّر عن الأردن حضاريّاً وسط كلّ هذا اللهيب في المنطقة، وهو ما مثّلته ندوة (طريق الحرير الثقافي) التي قامت عليها رابطة الكتاب، وجاءت بالضدّ من كل دعاوى الإقصاء والتكفير، إذ سبق للمهرجان في دورة سابقة أن أقام ندوة (الثقافة والتكفير) التي اشترك في صياغتها كتاب وفلاسفة ومفكرون وأصحاب تخصصات، تواضعوا على أهميّة التسامح والتشاركية الإنسانيّة، ونبذ كلّ ما يمكن أن ينال من الحق المقدس في حريّة الأديان والأفكار باتجاه التنوّع الثقافي الذي ينعكس على الجميع بالخير).
كما نستعيد رؤية رابطة الكتّاب في هذا المجال: (إنّ استضافة المهرجان، بالتعاون مع الرابطة، الضيوف العرب والأجانب من آسيا وأفريقيا وتنفيذ ندوة طريق الحرير الثقافي، إنّما هي استضافة مكرّسة للتأكيد على تواصل الحضارات وتفاعلها مقابل الإرهاب والتكفير الثقافي والدعوات المريبة لصراع الحضارات، فهي تظاهرة وطنيّة أردنيّة لا تخصّ رابطة الكتاب وحدها بل تشمل الأردنّ وكلّ الهيئات الثقافية برمّتها، ليظلّ الفكر والثقافة والاجتراح الإبداعي أكبر ردٍّ على اتساع موجة الإرهاب والتكفير والإقصاء، مما يضفي على الأردنّ والوسط الثقافي الحكومي وغير الحكومي أهميّةً استثنائيّةً في هذه المرحلة الخطيرة على مستوى الوطن العربيّ والعالم).
إنّ عودةً للشعراء المستضافين لدى المهرجان بالتنسيق مع الرابطة آنذاك تعطينا فكرةً عن تنوّع الأصوات الشعريّة محلياً وعربيّاً وحتى عالمياً؛ في مشاركة أصوات إفريقية وهندية وفيتناميّة، وهو ما يؤكّد أهميّة الرؤية في الاستضافة وتوسيع الشعر بنشاطاتٍ ثقافيّةٍ تناقش السائد وتواكب ما هو قيد التداول والاهتمام، ولا يعني هذا الاستئناس النيل من رؤية الرابطة اليوم، بل هو لبيان مدى أهميّة المفردة الثقافيّة في أعمال المهرجان.
إذن، فإنّ توسيع المفردة الثقافية أو قصرها أمرٌ مرهونٌ بالرابطة ورؤيتها التي نحترمها في التباديل والتوافيق بين الشعراء أو المفاضلة بينهم من دورةٍ لأخرى، ويحسن بنا أن نشير اليوم إلى مشاركاتٍ عربيّة من السودان ومصر والبحرين وتونس وفلسطين، إلى جانب الشعراء الأردنيين، وهو تنوّع يخضع لإرادة الرابطة نفسها وتصوّرها؛ إذ لا يد للمهرجان في فرض الأجندة أو الاستضافات، بحسب ما صرح به مدير المهرجان محمد أبو سماقة لـ(الرأي) من أنّه وانطلاقاً من مبدأ الشراكة التقليدي للمهرجان مع الرابطة وكلّ الهيئات الثقافية المشاركة في البرنامج الثقافي، فإنّ إدارة المهرجان لا تتدخل في الأسماء المشاركة أو المستضافة، عملاً باحترام معايير لجنة الشعر في الرابطة التي تختار على أساسها المشاركين.
إنّ البرنامج الثقافي الذي يشغل هذا العام نسبةً كبيرة تقدّر بما يقارب 90% من برنامج المهرجان، ليؤكّد لنا أنّ ذلك إنّما يجيء احتراماً لمسمى المهرجان الذي يتوزّع بين الثقافة والفنون، إذ يمتدّ البرنامج الثقافي ليشمل كثيراً من المفردات الثقافية غير الشعر، كالندوات مثلاً وعلى رأسها قراءة المهرجان لمشروع النهضة العربيّة الكبرى في ثورة العرب التي أرسى مداميكها الأولى الشريف الحسين بن علي طيّب الله ثراه وسار على هديٍ من منطلقاتها أبناؤه الغرّ الميامين من بني هاشمٍ الأطهار. وهي الندوة التي تعاونت إدارة المهرجان بشأنها مع الجامعة الأردنيّة لقراءتها مفهوماً وانعكاساً للمشروع النهضويّ العربي الذي قادة الشريف الهاشميّ الحسين بن عليٍّ طيب الله ثراه، وتجيء تزامناً بمناسبة مرور مئة عام على هذا المشروع النهضويّ الكبير.

(الرأي)

12/7/2016