البث التجريبي للتصميم الجديد
المؤسسات واقتناء اللوحات الفنية ... محمد الدغليس

 

إن الحديث حول الحركة التشكيلية الأردنية بقدر ما هو ضروري وشيق فهو متشعب وذو شجون.. كيف لا وهو يدور حول قطاع من مكونات هذا الشعب العميق الثقافة الرفيع التعليم والتواق إلى المعرفة وإثبات الذات، يتنفس الحرية الملتزمة في ظروف مفعمة بالأمن والاستقرار، وبتسارع لافت في التطور والحضور في كل المجالات.
نحن نعيش في مرحلة نستطيع القول عنها أنها تشهد حركة تشكيلية شبابية واسعة لا ينقصها الطموح والقدرة على الإبداع والولوج في أبواب فنية مبتكرة نابعة من الذات، حركة يحدوها نشاط لافت وتطور مضطرد ومتسارع له خصوصيته ويحاكي معظم المدارس الفنية الإقليمية والعالمية، يتفاعل ضمنها قطاع لا يستهان به ممن يمارسون الفن التشكيلي برغبة عارمة ونشاط لم نشهد له مثيل فيما مضى، وهو يقوم على رافعة توفرها كليات الفنون في جامعاتنا الأردنية مدعومة بموجهين ومدرسين متمكنين يحملون أعلى الشهادات الجامعية والقدرات الفنية في حقول التشكيل المتنوعة ومن كل المدارس الفنية العالمية والمحلية والإقليمية.
إن انتشار دور العرض في معظم المدن الأردنية يمثل رافدا مهما للمراكز الثقافية ودور العرض في العاصمة حيث أصبح متاحا لكل تشكيلي عرض أعماله بيسر وسهولة وبدون عناء كبير، وتدريجيا يلاقي المبدع التشجيع اللازم من الأعداد المتزايدة من المتلقين والمتابعين ويساعد بذلك انتشار وسائل التواصل الاجتماعي محليا وعالميا، مما يوفر الفرصة المثلى للتفاعل البناء والتنافس المثمر في ظروف معيارية من الاستقرار و الحرية بلا عوائق تذكر، وهنا لا ننكر الاهتمام المضطرد من وسائل الاعلام والصحافة والراديو و التلفزيون التي تبرز دور المبدع وتوصل إبداعه وتعمل على توسيع دائرة المتلقين وتذوق الأعمال الفنية وفهمها والاهتمام بها وبالفنانين.
هذا الواقع الجميل الواعد، وهذه الطاقات الشابة الموهوبة التي تذكي في قلوبنا الأمل بأجيال قادمة يجمعها الإبداع ورهافة الحس والمحبة المتبادلة والعمل الجماعي التكاملي لما فيه رفعة هذه الفئه المميزة ينعكس على وجه وطننا جمالا وحيوية وعملا مثمراً يسمو به إلى مصاف البلدان التي تساهم في تطوير وتعميق الحس الوطني وانسجامه مع الحضارة العالمية و الإبداع الإنساني. وتملأ أوقات شبابنا بما هو مثمر ومفيد وتحصينهم من الضياع في بهرجة الانشغال في تراهات الممارسات اللاإنسانية.
إن ممارسة الفن التشكيلي لا تعيق الانتاج المهني والحرفي بل تغذيه وتضاعف إنتاجيته ويصبح الوقت قيما ومهما فلا فراغ ولا تقاعد ولا ملل أو توتر ولا انشغال بما لا يجدي بل إن الفنان التشكيلي يتحسس بمصداقية أوجاع الناس ومعاناتهم حتى يصبح بلسما روحيا في معظم الأحيان. وخلاصة القول، نحن على أبواب مرحلة مهمة في مسيرة هذا القطاع، وأمام هذه الصورة المشرقة التي نطمح إليها فهناك الكثير من المعيقات والمؤثرات السلبية التي لابد أن ننبه ونشير إليها، بعضها يتعلق بالفنانين وتجمعاتهم وبعضها يتعلق بصانع القرار الرسمي ودوائره وأخرى تتعلق بالقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المحلي الاقتصادية والتجارية والسياحية.
ولعل أول المعيقات ما نشهده من ظاهرة التشظي والشللية وتعدد التجمعات تحت مسميات مختلفة.. وأحيانا التنافر غير المبرر بين الفنانين مما يعيق التطور الإيجابي وتحقيق المكتسبات الجماعية لمجمل الفنانين.. ويفسد المحبة واحترام الآخر. كذلك انزواء جيل الرواد وابتعادهم عن الأجيال اللاحقة من الفنانين مما يضعف التفاعل وتحرير الخبرات والنقد البناء الداعم للمواهب وتبنيها والأخذ بيدها، ومن المشكلات عدم قبول الرأي الآخر والنقد بدون مجاملات ومديح لا يؤدي إلى التحدي والتطور بل يساعد أحيانا على الفرقة والتباعد والتنافر نتيجة عدم استيعاب ثقافة الحوار وروح التسامح.
على الفنان الشاب أن لا يحرق المراحل ولا يستعجل الألقاب والتكريم والتبجيل بل التحلي بالواقعية والسعي الدؤوب إلى الكمال المدروس بكل ثقه وتأني.
إن الحركة التشكيلية التي تتسع أفقيا وعموديا بتسارع ملحوظ لابد لها من حاضنة جامعه تلتقي بها مصالحهم وتحقق لهم طموحاتهم وتضبط علاقاتهم وإبداعاتهم.. وتبعد عنهم المتطفلين والمدعين.. وتهيكل لجسم تشكيلي سليم معافى. واقترح أن تكون وزارتا الثقافة والسياحة ومؤسسات الشباب شريكة في هذا التجمع بمندوبين يمثلونهم مع الهيئة الإدارية المنتخبة لهذه الحاضنة مع ما يلزم من رقابة ودعم وتوجيه من قبل هذه المؤسسات لتلافي حالة الإحباط وأحيانا الحاجة المادية للفنان التشكيلي الأردني الذي يعطي من خلاصة مشاعره وروحه وفكره، من حقه أن يشعر بأن لعمله مردود مادي يساعده على تكاليف الحياة ويشعره بقيمة ما يقدمه ويبعد عنه شبح الشعور بالفشل وأحيانا تهكم الآخرين عليه من المقربين وغيرهم وهنا يأتي دور مؤسسات المجتمع المحلي القادرة على دعمه باقتناء أعماله والعودة عليه بالفائدة المادية والمعنوية.
والسؤال، لماذا لا تكون لوحات فنانينا ومنحوتاتهم وإبداعاتهم تزين الساحات العامة وردهات الفنادق و"كوريدورات" وقاعات المستشفيات وصالات السفارات والوزارات ومكاتب السياحة والسفر وحتى المكاتب الفارهة المفعمة بالبذخ..؟!
على الفنان التشكيلي دور مهم بتقديم نفسه بما يليق به وتقديم مشاريع (خطة عمل) للمؤسسات لإقناعهم بتكاليف الأعمال وجدواها الاقتصادية والأهداف المرجوة منها، وأن يكون واقعيا بأسعار لوحاته وأعماله حتى يثبت وجوده وينشر أعماله ولا تبقى حبيسة مستودع تضيق عليه مساحته.
*مهندس معماري وفنان تشكيلي

(الرأي)

12/7/2016