البث التجريبي للتصميم الجديد
أحيانا.. لا بأس أن نشعر بالفخر ... فالنتينا قسيسية
02 / 11 / 2016

 

منذ أكثر من عام، وخلال جلسة مع أكاديميين وخبراء، دار حديث مطول حول الابتكار والإبداع، والبحث العلمي الذي يعد تعزيزه وتحفيزه الأساس لإنشاء مؤسسة عبدالحميد شومان من قبل البنك العربي، قبل 38 عاماً، وكيف أن كثيراً من الأبحاث العلمية المقدمة من أكاديميين، يتم إنجازها من أجل الترقية، ولا يكون البحث العلمي، كفعل، هو الهدف الأساس لها. وكيف أن طلبة الجامعات تقاعسوا عن دورهم بأن يكونوا طلبة علم لا طلبة شهادة.
صار السؤال الملح وقتها هو عن الطريقة التي نستطيع بها إرسال طلبتنا إلى الجامعات وهم يحملون البحث العلمي والابتكار هاجسا ملحا ودائما، ومن يا ترى سوف يقوم بمهمة البحث العلمي، وملء هذا الشاغر المهم الذي لا يمكن للدول تحقيق التقدم والتنمية من دونه!
الحوار مع الأكاديميين طال وتشعب إلى كثير من القضايا المحلية التي يتوجب توجيه البحث العلمي نحوها، ما جعلنا نصل إلى قرار الاستثمار في غرس وتنمية مهارات التفكير الناقد في أطفالنا كأرضية مهمة للانطلاق نحو البحث والابتكار.
ومن حسن حظنا أننا وجدنا أنموذجاً جاهزاً يجري تطبيقه في فلسطين. لذلك، لم نُضِع أي وقت، وقررنا التعلم منهم، فأطلقنا برنامج "مختبر المبتكرين الصغار" ليضم أطفالا تتراوح أعمارهم بين 10-13 عاما.
ما إن أعلنّا عن فتح باب التسجيل، حتى تقدم للبرنامج ما يزيد على 160 طفلا خلال أربعة أيام فقط، الأمر الذي اضطرنا إلى إغلاق باب التسجيل سريعا، والبدء باختيار الطلبة الذين تتوفر فيهم المواصفات الملائمة للانخراط في البرنامج. واخترنا 23 طفلا بعد مرورهم بعدد من التقييمات والمقابلات لتحديد مهاراتهم.
خلال الأشهر الثمانية الأولى، خضع الطلبة لمراحل مختلفة من ورش العمل التدريبية، والنقاشات التفاعلية المفتوحة، والتجارب العلمية والكهربائية والتطبيقات الإلكترونية وبرمجياتها، لتحفيز التفكير لديهم. لم يكن الوصول إلى الإجابة المباشرة هو هدف التدريبات، بل كيفية صياغة السؤال الصحيح، والتركيز على فهم طرق الوصول إلى الإجابة، ولماذا يحدث أمر ما، أكثر من مجرد فهم ما حدث. هذا الفهم المتعمق أتاح للطلبة ليس فقط الوصول للنتيجة، بل تحليل مجمل الظروف المحيطة التي أدت إلى حدوث تلك النتيجة، واختلاف وجهات النظر حولها. كل ذلك جاء من خلال بيئة تعلّمية اعتمدت النقاش التفاعلي وطرح الاسئلة وقبول الخطأ.
هذه البيئة التعلّمية بنيت على أساس التشارك والإنتاج، تطوع فيها طلبة جامعات شغوفون خاضوا مقابلات وورش بناء قدرات لتأهيلهم لحفز وإرشاد الأطفال على مدار البرنامج. فكانت هناك تشاركية في التعلم، ولم يكن الهدف نقل المعرفة بل تنمية مهارات الوصول إليها والبناء عليها.
بوسائل بسيطة يمكن تطبيقها في الغرف الصفية، توصل الأطفال لمبدأ عمل الغواصة باستخدام "شلمونة" وحبة عدس ومشروب غازي. وانطلق الأطفال من مبدأ عمل الغواصة في تحديد استخدامات أخرى لها. كما صمموا مصعدا بشكل مبسط من دون الحاجة لمعدات أو أدوات ثقيلة. وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، استطاعوا توظيف المهارات التي تعلموها في الأشهر الثمانية الأولى، ليقوموا بتصميم وتنفيذ أفكار مشاريع مبتكرة.
في هذه التجربة تم إشراك الأهل، وكانت نصيحة المدرب المشرف لهم هي عدم إعطاء أجوبة للأطفال وطرح أسئلة قد تفضي إلى الحل. عوضا عن ذلك، ينبغي تحفيزهم على البحث أكثر.
لكن، ثمة ما يشعرنا بعدم الاطمئنان؛ إذ يتلقى الأهالي شكاوى من المدارس بأن أطفالهم "مشاغبون" لأنهم يطرحون أسئلة كثيرة في الصف. فهل الانطلاق نحو أفق أكثر رحابة من التفكير والفهم وحب التعلم، عن طريق البحث والتحري، بات يسمى "شغبا" في عرفنا اليوم؟! إن هذا التسطيح لما بات عليه الطلبة، يقودنا إلى وضع أيدينا على قلوبنا خشية ضياع جهد عام كامل لفريق بذل كل ما في وسعه لتدريب الطلبة، وها هم لا يستطيعون مجرد طرح الأسئلة بأريحية، ما قد يقود إلى قتل الإبداع لديهم، بدلا من الاستثمار فيهم وجعلهم نواة لمجتمع علمي حقيقي.
نحن، في مؤسسة عبدالحميد شومان، سوف نبقى ملتزمين بهذا البرنامج، وسوف نبحث، دائما، عن آليات لتطويره وتوسيع قاعدة المستفيدين منه. كما أننا نطمح إلى أكثر من هذا بكثير. نطمح أن يكون هذا البرنامج، أو أي برنامج مشابه، أساسا في عملية التعليم لدينا، وأن تبادر المؤسسات المعنية جميعها للانتباه إلى ضرورة تطوير النهج التعليمي، ونقله من مرحلة التلقين نحو التفكير ومحاولة إيجاد الحلول والإبداع.
اليوم، ونحن نحتفي بمبتكرينا الصغار، نشعر بالفخر الكبير كوننا أسهمنا في تسليحهم بآليات جديدة، نتمنى أن تتعدى نتائجها نحو أقرانهم وبيئتهم ومجتمعهم ككل. لكننا في الوقت نفسه، نشعر بالحزن على أولئك الأطفال الذي أقفلنا الباب أمامهم بسبب عدم قدرتنا على استيعاب العدد كله. نشعر بالحزن والمسؤولية تجاههم، فهم أيضا يستحقون فرصة لأن يتعرضوا لمثل هذا النوع من التعليم، من أجل إخراج ما لديهم من إبداعات.
هي دعوة صريحة نوجهها للجميع للاستفادة من هذه التجربة المهمة التي خضناها على مدار عام تقريبا، واستفدنا منها جميعنا؛ طلبة ومدربين ومشرفين. كما نستطيع الادعاء بأننا أطلقنا اليوم في مجتمعنا 23 طفلا قادرين على انتهاج آليات تفكير مختلفة. أطفالنا ليسوا مشاغبين، بل هم أطفال مبتكرون شغوفون قادرون على إحداث فرق في مجتمعاتهم وفي بلدهم، إن استطعنا أن نوفر لهم البيئة الحاضنة المناسبة.