البث التجريبي للتصميم الجديد
في قريتي مكتبة ... موفق ملكاوي
05 / 01 / 2017

على امتداد سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان الكتاب نادرا جدا في قريتي، وتحتاج وقتا طويلا لتجد كتابا جديدا عند أحدهم، أو لكي تستطيع شراء كتاب سمعت عنه.
في تلك الفترة، كانت المعرفة تتأتى من خلال الكتاب فقط، إذ لم تكن الثورة الرقمية موجودة، ومجرد الحديث عما لدينا اليوم، كان يدخل في باب الدجل والتنجيم. لذلك، وعلى مدى سنوات عديدة، حلمت دائما بأن تكون هناك مكتبة عامة في قريتي ملكا. 
أمنية لم تتحقق طوال العقود الماضية، ربما لأنه لم يتوفر أشخاص يؤمنون بالفكرة وأهميتها في حياة الأشخاص، ولكن اليوم أصبحت الفكرة واقعا حقيقيا، بعد أن اتفق مجموعة من الأشخاص المخلصين على تنفيذها.
في عصر انفجار المعرفة، وسهولة الحصول على المعلومة في زمن قياسي، قد يجادل كثيرون حول الأهمية التي ممكن أن يضيفها كتاب يقرأه أحدهم، أو مكتبة في منطقة ما. الجدل قد يبدو صحيحا إذا افترضنا أن التلقي هو قدرنا، وأن استسهال اللجوء إلى محركات البحث سيظل حاكما لنوعية المعرفة التي نريدها.
غير أن الخبراء يفرقون كثيرا بين هذين النوعين من المعرفة؛ ففي حين يفهرسون المعرفة الإلكترونية بأنها نوع من “المعرفة السهلة السريعة” التي يتم الحصول عليها لحاجة آنية، وتخزينها في الدماغ لفترة قصيرة، يرون أن المعرفة التي تتأتى من الكتاب، وفي سياق كامل من القراءة، هي معرفة أطول، تتخزن في الدماغ، ويتم تمثلها طويلا في حياة الإنسان، وفي سلوكه أيضا.
مفهوم المكتبة العامة الحديثة اليوم، لم يعد مجرد مكان لقراءة الكتب واستعارتها، رغم أهمية هذا السياق، بل تعداه إلى أن يكون ملتقى ثقافيا وفكريا تفاعليا، يتم من خلاله تبادل الأفكار والخبرات، لتشكل المكتبة بالتالي، محركا للتغيير الإيجابي في المجتمعات.
من هذه الرؤية، ستكون المكتبة العامة بيتا للمجتمع المحلي، يتم فيه مناقشة المشكلات والتحديات التي تواجه ذلك المجتمع، وتطوير أفكار ورؤى قادرة على وضع آليات لتخطي تلك العقبات.
من خلال المكتبة العامة، نستطيع اليوم تحصين المجتمعات ضد الكثير من الأفكار المتطرفة التي تغزو مجتمعنا، أو ضد الجهل والتبعية والسلوكيات السالبة، وكذلك نستطيع وضع استراتيجيات تدريبية وتشغيلية للكثير من المجتمعات التي نصفها على الدوام بأنها "مجتمعات أقل حظا"، بينما هي تمثل في الحقيقة فشلا ذريعا للدولة في التخطيط وفي التوزيع العادل لمكتسبات التنمية.
سعيد جدا بهذه البذرة الخيرة التي بدأت بالنمو في قريتي ملكا، وأدعو إلى أن تكون المكتبة مؤسسة موجودة في كل قرية وحي ومخيم، لأننا وقتها، سوف نرى الثمرات الكثيرة التي يمكن لهذه المؤسسة أن تصنعها.

الغد

1/5/2017