راشد: الثقافة جدار أخير للدفاع عن هوية الأمة
24 / 07 / 2017

 

 قال مستشار وزير الثقافة د. أحمد راشد إنّ الثقافة هي الجدار الأخير والمنيع للدفاع عن هوية الأمة، والحفاظ على مكتسباتها وخصوصيتها، وعِماد التنمية الشاملة والمستدامة، البوابة الحقيقية الواسعة التي ندخل من خلالها، لنسهم في رفد بناء وتطور الحضارة الإنسانية.
وتحدث راشد في الندوة التي أقيمت أول من أمس في منتدى الرواد الكبار للحدث عن "الثقافة والتنمية"، وعن أهمية التنمية الثقافية، ودورها في بناء المجتمعات المعاصرة، فهي تمثل الركن الأهم والأساس، ليس في حقل معين من حقول التنمية، بل في التنمية الشاملة والمستدامة بمفهومها الأعم والأشمل. 
وقال إنّ الثقافة ليست ترفاً، كما يرى البعض، للأسف، وهي ليست مهرجانًا، أو أمسية أدبية، أو حفلة موسيقية فحسب، بل تشكل العامل الأهم في عملية التقدم الاجتماعي، وهي الوسيلة الفعالة لتطويره، وتكوين الشخصية الإنسانية، وتمثل الإدراك الإبداعي للعالم، وتعبر عن العقل البشري والنشاط الإنساني، والآراء والمواقف الفكرية، وهي وثيقة الصلة بحياة الفرد ونشاطه، وبجميع قضايا الوجود البشري.
ورأى راشد أن تحقيق نهضة الأمم والشعوب ما كانت لتقوم بدون الثقافة فهي المؤسس لتلك النهضة، فأوروبا نهضت ووصلت إلى ما وصلت إليه اليوم بالثقافة، واليابان ما كان لها أن تخرج من عزلتها التي فرضتها على نفسها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدون الثقافة، لافتا إلى أن النهضة العربية التي نحاول جاهدين إدراكها لن تكون إلا بالثقافة، فمنذ الحملة الفرنسية على مصر، مروراً بمحاولات النهضة في القرن التاسع عشر، وبروز القومية العربية، ومروراً بكل أحداث القرن العشرين وحتى الآن نحاول أن ندرك هذه النهضة، فرغم أننا قد نكون قد قطعنا شوطاً في بعض جوانبها إلا أننا ما زلنا متأخرين أشواطا في معظم جوانبها الأخرى.
وأرجع المحاضر عوامل هذا التأخر إلى طبيعة الظروف الذاتية والموضوعية التي تعيشها أقطارنا العربية، ويعيشها إنساننا العربي، فرغم أن مقومات النهضة العربية الشاملة متوافرة، إلا أننا للأسف لم نحسن استخدام هذه المقومات، ولهذا بقينا متخلفين أدراجا عن غيرنا من الأمم المتقدمة، مشيرا إلى أن اول خطوات الاصلاح الحقيقي في الشأن الثقافي، هي الإرادة الصادقة للإصلاح عند الفرد، والأسرة، والمؤسسة، فإذا ما وجدت، يمكن بعدها تذليل كافة الصعاب.
كما تحدث راشد عن واقع الوطن العربي بمكنوناته الروحية والمادية، مع مقارنة هذا الواقع بواقع الأمم والشعوب الأكثر تقدماً لوجدنا أننا ما زلنا في بداية الطريق فنحن بعد لم نضع أهدافاً محددة لإدراك تلك الأمم والشعوب وما زلنا ندور في حلقة شبه مفرغة، ونعيش في حالة من التخبط هي انعكاس للحالة العامة التي تعيشها الأقطار العربية كافة. فرغم كثرة الدراسات والأبحاث المعمقة التي درست الحالة الثقافية العربية، ما زلنا مقصرين في بناء قاعدة ثقافية ارتكازية، تكون منطلقًا نحو بناء مجتمع متقدم، قادر على الصمود ومواجهة تحديات العصر، بالرغم من الإمكانيات والمقومات التي نمتلكها.
وأشار راشد إلى أنّ البعد الثقافي للتنمية يشكل علاقة جدلية بين الثقافة والتنمية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بينهما، وإدراك العلاقة بين الثقافة والتنمية جاء بعد دراسة تجارب الأمم والشعوب في مراحل التاريخ المتعاقبة، فكانت التنمية دائماً مرتبطة بالتطور الثقافي، وكانت الثقافة هي حافز التنمية.
ودعا المحاضر إلى إعادة النظر بمنهج التنمية الشاملة والمستدامة، لافتا إلى أن هذا المنهج يجب أن ينطلق من الثقافة، فالوصول إلى المعرفة والوعي لن يتم دون ضمانات، فإذا ما استطعنا أن نوجد هذه الضمانات فسنصل إلى المعرفة والوعي، وهما سيوصلان إلى التطبيق العلمي لمحتواهما، أي، إلى التنمية، مشيرا إلى أن الكثير منا يدرك أنّ الثقافة لا تشكل ذلك الاهتمام في حياتنا، ولم نصل بعد إلى تلك المرحلة التي نجعل منها قوة حقيقة تتجه بنا نحو بناء مجتمع راق، عماده العلم والمعرفة، إننا نعاني حالة من التراجع والتردي الثقافي، وهذه الحالة تحتم علينا النظر في عملية إصلاح حقيقية، تسهم في نهوضنا من الكبوة الثقافية التي نعانيها.
وقال المحاضر إن عملية الإصلاح الثقافي لا تختص بها جهة بعينها، بل هي عملية تكاملية، تشارك فيها مختلف القطاعات المجتمعية، وهي تمر من خلال 8 دوائر متتابعة ومتداخلة في آن معاً، تشكل بمجملها وحدة متكاملة للعملية الإصلاحية، وتتمثل هذه الدوائر بالآتي: "الفرد، الأسرة، التربية والتعليم، دور العبادة، التعليم العالي، مؤسسات التوجيه الوطني: الرسمية، وشبه الرسمية، مؤسسات المجتمع المدني، وسائل الإعلام".
ولفت راشد إلى اهمية تفعيل دور كل دائرة من الدوائر الثمان، عندها يمكن القول أن قطار الاصلاح الثقافي بدأ مساره بالاتجاه الصحيح. والتفعيل المقصود هنا، ليس التنظير، فعندنا من النظريات والمواد المعرفية ما يكفي ويزيد، بل المقصود، وضع الآليات الكفيلة بالوصول إلى ما نريد، والتنفيذ الفعلي لها، وبما ينسجم مع تطورات روح العصر، مع التأكيد على ربط الأصالة بالمعاصرة، لاستشراف المستقبل الأفضل.

 

عزيزة علي، الغد

24/7/2017