مجلة الفنون الشعبية تقرأ في العدد 23 الفنون الحرفية والتقليدية
18 / 01 / 2018

 

صدر العدد 23 من مجلة الفنون الشعبية، عن وزارة الثقافة الأردنية  متناولاً مسالة الحرف اليدوية والصناعات التقليدية ودورها في التنمية المستدامة.

وتُمثّل "الفنون الحِرَفيّة التقليديّة"، بحسب رئيس تحرير المجلة الدكتور هاني هياجنة، المظهر المادّي الأوضح للتراث الثّقافي غير المادي الذي سبق تعريفه في أعداد سابقة من هذه المجلّة، إذ تهتم اتفاقية اليونسكو ٢٠٠٣ بشأن صون التراث الثقافي غير المادي بالمهارات والمعارف المتصلة بهذه الفنون، وتشجيع الحرفيّين للاستمرار على إنتاج مصنوعاتهم، ونقل ما لديهم من مهارات ومعارف إلى الآخرين، وخصوصًا فئتي الشباب واليافعة.

وتناول هذا العدد موضوعات ذات صلة بالحرف اليدوية والصناعات التقليدية، من حيث تاريخها وأصولها الأولى في الأردن وبلاد الشام، وأهم ما يمثلها من منتجات، وأهميتها في التنمية الاقتصادية وإدرار الدخل، وخاصّة في حقل السياحة، ودور المرأة الإنتاج الحرفي، ونقل مهارات الصناعات التقليدية، وخاصة النسيج، علاوة على مساهمات أخرى نحو صناعة الشباري، وحوارًا مع أهم صانعيها في الأردن. كما احتوى هذا العدد على مقالة حول صناعة العسل في وادي دون بحضرموت في اليمن، وأخرى حول مهارات العمارة التقليدية في مصر، ومساهمتين باللغة الإنجليزية حول سوق البدو في مدينة معان  بجنوب الأردن، وأخرى حول دور مكتب اليونسكو في الأردن في دعم وتعزيز الحرف اليدوية في غور الأردن، وتناول العدد أيضًا عناصر أخرى من التراث الثقافي غير المادي، نحو تقاليد الأعراس، والأغنية الشعبية كنمط أدبي تراثي، كما نشرت فيه نصوص شعرية ونثرية من التراث الأردني.

ويؤكّد هياجنة أن ثمّة العديد من أشكال التعبير عن مهارات الفنون الحرفية التقليدية، نحو الأدوات، والملابس أو الحلي، والأزياء والأثاث الخاص بالاحتفالات وفنون الأداء، والقطع المستخدمة في التّخزين، والنّقل وتأمين المأوى، وفنون الزينة والقِطع الخاصة بالطقوس، والآلات الموسيقية والأدوات المنزلية، والألعاب، سواء ما كان منها للتسلية أو التعليم، كما يُعدّ كثيرٌ من هذه المنتجات للاستخدام على المدى القصير، نحو ما يُصنع لأغراض الطّقوس الاحتفالية لدى بعض الثّقافات، في حين أنّ غيرها يبقى جزءًا من المتاع المُوَرَّث من جيل إلى جيل، كما تتنوع المهارات المتّبعة بتنوع الأشياء والقطع الحرفيّة المُراد إنتاجها.

وعلى غرار الأشكال الأخرى من التّراث الثّقافي غير المادّي تتعرّض الأشكال التّقليديّة من مهارات الفنون الحرفيّة لتحدّيات كبيرة تطرحها العولمة، فالإنتاج الجماعي والضخم، على مستوى الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات بالمقارنة مع الصّناعات اليدويّة المحلّية أو المنزلية المحدودة الإنتاج، يوفر البضائع الضرورية للحياة اليومية بتكلفة أقل، من حيث المال والوقت، فيكافح كثير من الحرفيين للتكيّف مع هذه المنافسة. وكما تؤثر الضغوط البيئية والمناخية على توافر الموارد الطبيعيّة الأساسية اللازمة للصناعات اليدوية، وحتى في الحالات التي تتطوّر فيها المهارات الحرفيّة التقليديّة لتصبح صناعة منزلية، فإن زيادة حجم الإنتاج يمكن أن يتسبب في الإضرار بالبيئة. وعلاوة على ذلك، كما يقول هياجنة، يمثل تغيّر الأحوال الاجتماعية وكذلك الأذواق الثقافية تحديًا في سبيل ديمومة الحِرف التقليديّة، فالاحتفالات والمُناسبات التي كانت تتطلّب في الماضي إنتاجاً حرفيّا ذا تفاصيل دقيقة، تحوّلت إلى صناعات متقشفة، تقلل من الفرص المتاحة للحرفيين للتعبير عن أنفسهم، وذوقهم وأحاسيسهم، كما يجد الشباب التدريب الطويل أحياناً واللازم لتعلّم الكثير من أشكال الحرف التقليدية قاسيًا، فيفضّلون التماس العمل في المصانع أو مجال الخدمات، حيث العمل أقل قساوة والأجر أفضل في كثير من الأحيان. كما أن كثيرًا من التقاليد الحرفيّة تتضمن "أسرارًا للصنعة" يتعين عدم تلقينها للغرباء، إلا أن مثل هذه المعارف يمكن أن تزول تماماً إذا لم يتوفر من أفراد الأسرة أو المجموعة من لديه الاهتمام بتعلّمها، ذلك أن تشاطرَها مع الغرباء من خارج الجماعة أو المجتمع الحامل للمهارة يشكل انتهاكاً للتقاليد.

ويتمثل هدف الصون في هذا المجال، كما هو الحال بالنسبة للأشكال الأخرى من التراث الثقافي غير المادّي، في نقل المعارف والمهارات المرتبطة بالحرف التقليدية إلى الأجيال المُقبِلة بحيث تستمر مُمارسة الحرفة في المجتمعات نفسها، سواءً كمصدر للرزق أو كتعبير عن الروح الخلّاقة والهويّة الثقافية، فلكثير من التقاليد الحرفية نظمٌ قديمة للتدريب والتتلمذ ينبغي تدعيمها، وتعزيزها، نحو تقديم حوافز مالية للمتدربين والمعلمين، مما يجعل عملية نقل المعارف أكثر اجتذاباً للطرفين. ويضاف إلى ذلك دعم الأسواق المحلّية التقليدية للمنتجات الحرفية، وخلق أسواق جديدة في الوقت نفسه، مما يتماشى مع موجة العولمة والتصنيع، إذ يستمتع كثير من الناس في مختلف أنحاء العالم بالمنتجات المصنوعة يدوياً، فتتجسّد فيها معارف صانعيها الحرفيين المتراكمة وقيمهم الثقافية. ويولي هياجنة الأهمية القصوى، كخبير في هذا الشأن، والأخذ بعين الاعتبار مبادئ التنمية المستدامة كأحد أهم الأهداف بعيدة المدى لاتفاقية اليونسكو (2003) بشأن صون التراث الثقافي غير المادي، نحو توفر الموارد البيئية وسيادة مبدأ التعويض، فلا بد مثلًا من التفكير بإعادة غرس الغابات كمحاولة للتعويض عن الأضرار التي نزلت بالحِرف التقليدية التي تعتمد على توفر الأخشاب كمادة أولية، وفي بعض الحالات تكون ثمة حاجة إلى اتخاذ تدابير قانونية لضمان حقوق المجتمعات في استخدام مواردها، مع التكفّل بحماية البيئة في الوقت نفسه .ويمكن لتدابير قانونية أخرى، من قبيل حماية الملكية الفكرية وتسجيل البراءات أو حقوق النشر، أن تساعد المجموعة المعنية على الاستفادة من رموزها وحرفها التقليدية وتشجع الإنتاج الحرفي.

هيئة تحرير الموقع الإلكتروني