Black & White
الوسط الثقافي والإبداعي يؤبّن الروائي جمال ناجي
-A +A
08 / 07 / 2018

 

غاب الحضور، وحضر الغائب، فانهمرت الحكايا كأول الغيث، لتفوح رائحة السرد وتكشف سرّ فجيعة الحضور.

هو الغياب إذاً، حين يجمع الأهل والأحبة في تأبين الجمال، جمال ناجي الذي غادر عمان مسرعاً إلى حيث فضاءات أكثر رحابة، لم يرفع يده للوداع ليحضر ليلة تأبينه بكامل وهجه، بكامل بهاء وطغيان سرده، مبتسماً خلف صقيع ثلوج ليلته الأخيرة التي توارى خلفها.

في حفل تأبين الروائي العربي جمال ناجي الذي أقيم في المركز الثقافي الملكي تحت رعاية وزيرة الثقافة بسمة النسور، وأداره الفنان زهير النوباني، حضر أصدقاء ومريدو وقراء الفقيد، وحضر طيف جمال ناجي من خلال عديد الكلمات التي ألقاها المتحدثون، وحضرت مناقب الفقيد الإبداعية والنقابية والإنسانية، ليظهر الحفل باذخاً بمرادفات الوفاء والتكريم والتقدير لتجربة إبداعية حازت التقدير المحلي والعربي، وحصلت على الجوائز والتكريمات على الصعد كافة.

في ليلة الوفاء التي نظمتها وزارة الثقافة، ورابطة الكتاب الأردنيين والمركز الثقافي العربي، أكدت وزيرة الثقافة على جذرية جمال ناجي في المشهد الإبداعي الأردني والعربي، وأن ناجي لم يكن مبدعاً عابراً، بل امتلك وعياً عميقاً بالحياة ومعاركها المتصلة، من خلال الاتكاء المعرفي والوجداني على الجذور والهوية، لرسم معالم المدنية والمؤسساتية وديمقراطية الحوار، ولم يمارس في ذلك التنظير، أو الخواء الحكائي، ولم يتعالى مكابراً بذريعة التفوق، بل كان يجسّد أفكاره النضالية في مجمل أعماله الروائية والقصصية، كما في ليلة الريش وعندما تشيخ الذئاب، وبلغة موحية وسرد متصل بشرايين الدفق، والنبض، والتجارب الحياتية التي تمده بضوء خفي.

وأشارت النسور إلى الدور المهم الذي لعبه ناجي في وزارة الثقافة على مدار الحلم والحنين، في العديد من لجانها العاملة، وقد ترأس فيها تحرير مجلة أفكار، ليعمل بجد وإخلاص نحو إطلاقها في فضاء حر، بالعمل الصبور مع هيئة تحريرها لترسيخ الإبداع العالي والمضي نحو الدولة المدنية، التي تُعلي من شأن الإنسان وتحقق العدالة والمساواة، وتناهض التطرف وأحادية الرأي، وظلاميات التفكير.

وأضافت النسور أن ناجي كان نقابياً عتيقاً، منافحاً عن حقوق المثقفين، مؤسسا لحالة إبداعية أصيلة، في كل ما تقلد من مناصب، وبالأخص حينما ترأس رابطة الكتاب الأردنيين لدورات عديدة، استطاع حينها أن يرسخ الفعل النقابي كحالة من الديمومة والنشاط الذي يفتح النوافذ على الحرية والجمال.

وأكدت النسور أهمية العودة إلى منجز ناجي السردي قراءة وتحليلاً، لتسليط الضوء على أعماق تجربته الإبداعية لاكتشاف المزيد من الأفكار التنويرية، وأساليب السرد الجميل، وعقد العديد من الندوات حول هذه التجربة الرائدة، التي شكلت حضورها الجمعي محلياً وعربياً، لافتةً إلى أنّ إطلاق العدد الخاص من مجلة أفكار حول تجربة الراحل يأتي في هذا السياق من المحبة والوفاء.

رئيس مجلس إدارة الدستور محمد داودية ارتجل كلمة في حضرة الفقيد استعاد من خلالها علاقة حميمة معه منذ أكثر من أربعين عاماً، كان فيها ناجي كاتباً تقدمياً وازناً، مثابراً، متحرراً من المراوغة والمراوحة بين الخلق والاختلاق.

وأضاف داوودية أن ناجي لم يكن مؤلفاً، فوصمه بصفة التأليف ينزع عنه ما توفر عليه من إلهام وإبداع، لأنه كان ملهماً خلاقاً وابتكارياً وذا عزم ودأب متأنياً أناة الصائغ والنحات، فبذرة الفنان في جمال قادته مبكراً إلى الفنون التي درسها في معهد معلمي عمان، فلم يكن مفرطاً في طاقته لكنه كثفها في أعمال حملت شكله وطبعه وموقفه التقدمي الجلي.

واستذكر داودية تجربة ناجي معه في وزارة التنمية السياسية عامي 2003و2004، حيث كان مستشاراً يستشار، قدم للوزارة جملة من الآراء والأفكار والمقترحات السخية وبمنهجية عمل علمية متقدمة.

وتحدث عن الحياة الجميلة التي انحاز لها مقاوماً أعداءها فيما كتب، ولم يكرر نفسه لكنه تمنى أن يتكرر في المستقبل، فهذا الكاتب الفذ ظل ينتقل صعوداً إلى أن انتقل النقلة الأخيرة، ولقد خسرت الثقافة الحداثية التقدمية العربية أحد أبنائها المخلصين.

نائب رئيس رابطة الكتاب الاردنيين الشاعر سعد الدين شاهين قال في كلمة الرابطة: لقد كان جمال يأتلف ويختلف كعادة المرهونين بعمارة الحياة وهندسة الكون وتزويقه بطريقته الإبداعية المشهود لها، وسعى بصبر الروائي إلى ترميم حالة الخراب العامة باحثاً عن أدواته بين الأنقاض ليخلق ما يشبه حالة الرفض لكل المعطيات التي تستفحل بيننا وتؤسس إلى خواء لا نهائي والتي دفعته إلى كتابة رواياته ومجموعاته القصصية من مخلفات الزوابع الأخيرة حتى غريب النهر.

الروائي هاشم غرايبة استذكر الجذر الثقافي التحرري لناجي منذ تيسير سبول وغالب هلسا وجمال أبو حمدان ومؤنس الرزاز وكل من ناهض التطرف وخطاب الكراهية، ومن يخوضون حرب التنوير بالكلمة والفن الراقي بالصدور العارية، وقال: "يحق لنا أن نعلن الحزن عليك، فمثلك يفتقد".

وأضاف غرايبة "لقد كان آخر حديث مع جمال حول روايته "موسم الحوريات"، وطلب رأيي فيها وقلت: تمتاز بسلاسة اللغة والحوار، فاللغة سهلة ومتينة لم أتعثر في ملاحقة صفحاتها، والأحداث سريعة ومتلاحقة مما يجعل الرواية أشبه بعرض متتابع لأحوال المنطقة، وسرعان ما يأخذنا السرد للتعمق بالقضية المركزية للرواية: التنوير في مواجهة التكفير واليأس، ورد قائلا: كلام جميل. لقد كان جمال مفعماً بالحيوية والآمال".

الناقد فخري صالح قدم لمحات نقدية مهمة في تجربة الفقيد الإبداعية، مؤكداً أن منجز جمال ناجي الإبداعي سيبقى حاضراً بيننا وبين الأجيال القادمة، لأنه بلا شك نقل مع زملائه من الكتاب الأردنيين والعرب السرد العربي إلى نقطة أعلى في حركة التطور والإبداع، وضخ فيها دماً جديداً جعل المشهد السردي الأردني والفلسطيني في مقدمة المشهد السردي العربي.

وأضاف صالح أنه ورغم الرحيل المبكر كان واحداً من أعلام الرواية العربية وأستاذاً من أساتذة السرد العربي، يقدم كل مرة وفي كل عمل جديد تجربة جديدة ومختلفة ومثيرة.

مدير المركز الثقافي العربي الأديب جمال القيسي أكد أن رحيل جمال ناجي يضع الرواية الأردنية والعربية أمام امتحان عسير لن ينجح فيه إلا ما تبقى من جيل قليل من المبدعين المخلص للكتابة، القابضين على جمرة الرواية.

وزاد القيسي: إن جمال ناجي عاش مبدعاً فذاً رمحت خيوله في براري الرواية بعيداً، فكان فارساً لا يشق له غبار، فقد عاش مثقفاً شمولياً مستقلاً في السلوك والموقف ولم يحبس نفسه في الأبراج العاجية الواهنة التي اختارها كثير من الكتاب هروباً من الواجب الأخلاقي، مستبسلاً في الدفاع عن مبادئ وقيم الحق والخير ومن خلال الثقافة المتراس الأخير لمواجهة مغول العصر والانتحار المؤدلج المنبعث من جمود التفكير ورفض الآخر.

وعن آل الفقيد ألقى مهند جمال ناجي كلمة أعرب فيها عن شكره لوزارة الثقافة ورابطة الكتاب والمركز الثقافي العربي على تنظيم مراسم هذا التأبين والحضور الوفي لروح والده.

وقال إن للموت وقعاً على الأحياء أكبر بكثير منه على الأحياء، خصوصاً وأننا نتذكر شخصاً استثنائياً كنا نعيش فصول رواياته بما فيها من عوالم مدهشة وفاتنة توزعت علينا نحن زوجته وأبناءه الخمسة، فهي أدوار بطولية متعددة باختلاف مراحل حياتنا، فكانت دروس الحياة تتخللنا دون أن نشعر بها ودون أن يكون والدي يوماً المنظر الساعي لدور الرقيب المتسلط علينا، لقد علمنا مبكراً الجمع بين العقل والقلب واحترام الإنسان والوقت وحب الحياة وكان وعينا المبكر في هذه الأمور مصدر قوة لنا، وإصراراً على الحياة وتقديم الجمال فيها من قبله.

وكان عرض في بداية الحفل فيلم قصير اختزل تجربة ناجي وأشار إلى أهم المفاصل في تجربته الإبداعية، وهو من إنتاج وزارة الثقافة وبصوت الفنان أسعد خليفة، وتحدث فيه عدد من المبدعين منهم أمين عام وزارة الثقافة الروائي هزاع البراري، والناقد ابراهيم خليل، والكاتبة والمؤرخة هند أبو الشعر. كما تخللت حفل التأبين فقرات موسيقية قدمها نجل الفقيد غسان جمال ناجي، وأغنية للفنانة أمل ابراهيم بعنوان "إني أحبك"، من كلمات جمال ناجي وألحان فتحي الضمور وتوزيع بهاء داود.

يشار إلى أنّ الروائي جمال ناجي الذي غيبه الموت عن عمر يناهز 64 عاما في السابع من أيار الماضي يعد من أبرز الروائيين الأردنيين والعرب، إذ انتخب رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين، ومنح جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2014، وجائزة رابطة الكتّاب الأردنيين، وجائزة الدولة التشجيعية، وجائزة تيسير السبول للرواية من رابطة الكتّاب عن مجمل أعماله، ووصلت روايته "عندما تشيخ الذئاب" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2010.

(الرأي)

7/7/2018