Black & White
باسم الطويسي وحزمة الهيكلة الثقافية ... إبراهيم السواعير
-A +A
30 / 01 / 2020

 

"الدولة الأردنية دولة قويّة استطاعت أن تعبر عشر سنواتٍ عاصفة في المنطقة وقدمت مقاربة استراتيجية وسياسية مهمة جداً في عقود التحولات الاستراتيجية الحاصلة، وقد آن الأوان لكي نحقق استجابةً ثقافية فاعلة".

وبحكم خلفيّته الأكاديمية، ومن خلال اشتغاله على موضوع الإصلاح السياسي والإعلام، يؤكّد وزير الثقافة الدكتور باسم الطويسي، في حواره مع نخبة من ممثلي نقابة الفنانين الأردنيين، أنّ الدولة عبرت أخطر منعطف منذ خمس عقود بأمان، فلم تهتز، كما أنّ المجتمع الأردني أيضاً قوي ولم يرضخ لأيّ جهة أو تيار معين يريد أن يستحوذ على المشهد الثقافي أو السياسي؛ انطلاقاً من أننا دولة ترعى التعدد وتحتفي بالتنوع، ولا تسمح لأحد بأن يعمل على إقصاء الآخر.

هذه الجملة ومثيلاتها جاءت دفاعاً مبرراً للطويسي، وبمثابة طمأنة لتخوّفات ساقها متحدثون من تجاذب أفكار متطرفة والاستفادة منها في ظلّ فتور الدور الثقافي والفني في المجتمع.

ولعلّها المرّة الأولى التي يبتعد فيها فناننا الأردني عن مطلبيات الدعم المادي، إلى تقديم الرؤية والتشاركيّة مع وزير الثقافة، وهي رؤية ناضجة مهّدت لها صراحة الطويسي، ومكاشفته بالواقع وتوافره على درجة عالية من الإقناع؛ خصوصاً وأنّ التنظير كان يتخلله قرار مفرح للوسط الفني، والثقافي الأردني، ومن ذلك إعادة مهرجان الأغنية الأردنية، وتفعيل مأسسة مهرجان جرش للثقافة والفنون، والهيكلة المتمخّضة عن إشراك الفنان نفسه في قراءة الواقع الموسيقي، والوعد بمأسسة هذا الفعل إلى مديرية أو وحدة أو قسم على الأقل في وزارة الثقافة، والأهم تدريب الموظف ليكون مبدعاً في هذا المجال، ويتوّج هذا كلّه بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية في دراسة مسحيّة مجتمعية في الشأن الثقافي.

بين النخبوي والمجتمعي

لم يكن "أبو الفنون" غائباً عن مسرح الحوار؛ كما لم تكن كلّ مفردات الفنّ الأردني بعيدةً عن منصّة التداول الرؤيوي مع نخبة فنيّة متنوعة التخصصات، وأكاديميّة وإعلاميّة؛ فبين أن يكون الفنّ، والثقافة أيضاً، مجتمعيّاً أو نخبويّاً، كان هاجس الوزير، في حواره الأوّل مع القطاعات الثقافيّة والفنيّة، بعد سلسلة حوار المحافظات، هو تعزيز الهويّة الثقافيّة نحو فهم معاصر لها، وإدماج الشباب في العمل الثقافي، ومواكبة الثورة الرقميّة، ونشر ثقافة الأمل، ودمج المجتمعات المحليّة بالفنون وحركة الإبداع والابتكار، وتحقيق الاستثمار في الثقافة وحماية الذاكرة الوطنية وتوثيقها، وكلّ ذلك وفق أطر عريضة في الأولوية الثقافية، وكيفيّة تنفيذها بإجماع وطني وتحقيق درجة عالية من التشاركيّة.

كل ذلك، كان يمكن أن يجيء وفق تنظير طويل الأمد النفسي على الحضور، وأشبه بصخرة ثقيلة، أسوةً بما كنّا نشهده من مؤتمرات ولقاءات تتكدّس فيها "دفوعات" الوزارة وملفّاتها الكثيرة والمحتشدة التي تكاد تقول إنّ اتهاماً لها يستلزم كلّ تلك المرافعات، لنكون أمام استعراض مكرور وردود باهتة، لا تقول شيئاً، أو لا تتجاوز تفصيل المفصّل والتعيّش عليه،.. غير أنّ وقوف الوزير الطويسي إلى جانب الفنان وتخليه عن الدفاع إلى تأكيد الأطر العريضة التي يسعى إليها، أسهم في مستخلصات فكرية وعملية تشاركيّة ذكيّة ومهمّة.

إيمان الدكتور الطويسي بأنّ الفنان الأردني له مكانة مهمّة في النسيج الثقافي والاجتماعي الوطني، بصفته جزءاً أساسيّاً من تكوين الوجدان على مستوى الوطن، يؤكّد أهميّته في مساحة التكوين الذهني للدولة الأردنية (عقل الدولة)، إذ يمتد هذا الإسهام من الرواد إلى الجيل الجديد عبر مؤسسة واصلت العطاء عبر عقود (نقابة الفنانين)، فهي جديرة بأن يتم التباحث معها لإيجاد صيغة إلى حدٍّ ما مختلفة في التخطيط للثقافة من خلال المرفق الذي تمثله وزارة الثقافة.

لذلك، كانت التوطئة للحوار بأنّ الثقافة التي تدخل في كلّ الحقول ولها أهميّة قصوى في التأثير التنموي وصناعة القرار وتداول الحلول أمام تداعيات الشأن العام،.. هي فعلٌ لا تصنعه الحكومات، بل المجتمعات ومن يمثلها من فاعلين؛ في حين أنّ الحكومات تقدّم بيئة ملائمة لكي يزدهر الفهم الثقافي والتعبير الفنّي بكلّ أشكاله، ومنها الفن، وذلك من خلال التشريعات وتوفير كلّ السبل أو الطرق الكفيلة بذلك، فقد آن الأوان، كما رأى الطويسي، أن يسهم كلّ الفاعلين الثقافيين بدورهم في التخطيط للثقافة، لكي يتحملوا جزءاً من المسؤوليّة عن النجاح والفشل أيضاً، كمشاركين فيه.

الإطار الاستراتيجي

كما أنّ الوصول في النهاية إلى وثيقة نحو إطار استراتيجي وطني، يعني أنّ وزارة الثقافة ليست اللاعب الوحيد في الشأن الثقافي؛ فهناك مؤسسات مجتمع تُدار من قبل قوى اجتماعيّة(من مثقفين، وقطاع خاص،..)، لينطلق الطويسي من ذلك إلى التفريق بين الإطار الاستراتيجي والخطّة الاستراتيجيّة، باعتبار أنّ كلّ الفاعلين في الحقل الثقافي معنيون بالأولويات، وعليهم أن يسهموا في الحوار والنقاش حولها، خصوصاً في هذه المرحلة المهمّة، للخروج بخطّة استرشاديّة تنبثق عنها خطّة تنفيذية لوزارة الثقافة، تفيد كلّ ذوي العلاقة بالشأن الثقافي، من ممولين لهذا الفعل ومن غيرهم، كإعلان عن توافق الدولة الأردنية بكل أطيافها، من مجتمع وحكومة ومؤسسات، حول أولويات السنوات القادمة، وهي أولويات يتمّ تأكيدها من أصحاب الخبرة الثقافيّة والفنيّة، ومع أنّها دقيقة إلا أنّها ليست مطلقة؛ فهي قابلة للإزاحة أو الإضافة بالنقاش والحوار.

وكلّ ذلك لإعادة التفكير بالطريقة التي تتعامل فيها الأجيال الجديدة الشّابة مع مفهوم الهوية الثقافيّة الوطنية، كما يرى الطويسي، في وقوفه عند سؤال الاستثمار بالأدوات المعاصرة(ومنها التكنولوجيّة) لتعزيز ثوابت الهوية الوطنية الأردنية، والعذر في ذلك تصحيح الاعتقاد بمرور وقت أصبحت فيه كلّ العناصر المرتبطة بالتاريخ والجغرافيا الأساسيّة الثقافية يُنظر إليها وكأنّها تقليدية، وهو ما نفاه الطويسي، فالهويّة تتطوّر وتنمو وتسهم في تكوين النسيج المجتمعي نحو الانسجام في مكوّناته، وبالتالي فإنّ علينا أن نعبّر ثقافياً عن الهوية الثقافية الوطنية، بأنها قابلة للنموّ واستيعاب التحولات التي تحدث في العالم، وفي الإقليم أيضاً بما تخلقه من تحدّيات، وهو ما يستوجب أن نفكّر بالثقافة بطريقة نخرج بها من الـ(نحن)، أو نكف عن عبارة (الثقافة فقط لنا)، ومعنى ذلك كما يرى الوزير أنّ نفهم أنّ الثقافة هي شأنٌ مجتمعي يستهدفها الناس وينتجونها، ولذلك فإنّ التعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجيّة في الجامعة الأردنية كان للوقوف على نتائج دراسة مسحيّة، ولأوّل مرّة، يُسأل فيها ألف مثقف أردني حول نظرته للأولويات الثقافيّة في السنوات القادمة، للخروج بـ"داتا" ومعلومات مهمّة جداً يمكن أن نخطط أو نبني عليها بشكل سليم، إضافةً إلى ورقة مرجعيّة حول كلّ أولوية يسهم بها خبراء بتكليف من الوزارة، للوصول إلى الإطار الثقافي الاستراتيجي الوطني، نحو مؤتمر ثقافي وطني يتمّ الإعلان فيه عن هذا الإطار مع مجموعة من البرامج والمشروعات الأخرى المهمّة.

الإرادة السياسيّة

ولا بدّ لازدهار الفنون، تحديداً، من اشتراطاتٍ ثلاثة، كما يرى الوزير، وهي: توفّر الإرادة السياسيّة: وهي ما ينعكس على شكل موازنات لتسهيل البيئة والتشريعات في الإدارة والتنظيم،... وهذه الإرادة السياسيّة، لطالما مرّت من وجهة نظر الطويسي، بمراحل تاريخيّة كانت متوفّرة، وعلينا اليوم أن نستثمر توفّرها لهدف ازدهار الفنون، وهو ما يحتاج منّا عملاً حقيقيّاً لنتقدّم خطواتٍ إلى الأمام، أما الشرط الثاني فهو أن نخلق طلباً اجتماعيّاً على الفنون؛ لأنّ كلّ الدول والمجتمعات التي ازدهرت فيها الفنون كان المجتمع لديها يريد هذه الفنون، ويستهلكها؛ فيذهب إلى المسرح، والسينما، ويشتري اللوحات،..فإذا ما خلقنا طلباً اجتماعيّاً للفنون فإنّ ازدهاراً سيتحقق لكلّ مفردات الفنون، كالموسيقى على سبيل المثال. ويضيف الطويسي إلى هذين الشرطين شرط ربط الفنون بالاقتصاد الإبداعي، مدللاً بأنّ الأمم المتحدة في منهجيتها للحسابات القوميّة الماليّة تفرد بنداً خاصّاً بالاقتصاد الإبداعي، في المسرح مثلاً والموسيقى والحرف اليدوية وكلّ الفنون التشكيليّة والأدائيّة والبصرية، وسوى ذلك من مفردات.

وليس أدلّ على ذلك من أنّ هذا الاقتصاد الإبداعيّ يصل معدّل إسهامه حسب تقرير عام ألفين وسبعة عشر لمؤتمر التجارة العالمي إلى حوالي 8 بالمئة، من الناتج الإجمالي العالمي، وهو رقمٌ مذهل كما رآه الطويسي، يفيد في موضوع الصناعات الإبداعيّة والثقافيّة؛ إذ انتقلت هذه المجتمعات من مرحلة رعاية الفنون إلى مرحلة بناء نموذج اقتصادي مستدام للفنون، ويورد الوزير أيضاً ما يدلل على ذلك، بأنّ بريطانيا تدعم الفنون بحوالي 3 مليار ونصف المليار جنية استرليني، ذاهباً إلى السؤال الأبرز: كم حجم الاقتصاد الإبداعي في الناتج الإجمالي الوطني في بريطانيا؟!.. مجيباً بأنّه يتجاوز المئة وخمسين ملياراً،.. فهي أمثلة لما يحدث في العالم اليوم.

ولذلك، فهي فرصة لأن نستثمر فترة سياسيّة مهمة جداً لكي نخرج من مستنقع كبير جداً من التطرف والانغلاق الاجتماعي، على اعتبار أنّ الجميع مؤمنٌ بأهميّة الفنون الملتزمة أو الفنون المحترمة في إعادة تشكيل وجدان هذه المجتمعات وعلاقة بعضها بعضاً أو علاقتها بالآخرين، أو كيف يتم التفكير أو اتخاذ القرار أو تصوّر العالم، وفي كلّ ذلك تسهم الفنون إسهاماً كبيراً، ومن هذه الرؤية ننطلق، كما يرى الوزير، إلى ما أسماه "التحول العظيم"، في أن يصبح للمجتمع طلبٌ على الفنون، وهو ما نحتاج معه إلى دعم المجتمع جيداً لتقاليده وتاريخه، وفي الوقت نفسه تصميم المنتجات التي تقدمها الفنون، بمختلف أشكالها، بما يتلاءم مع هدف "تحديث المجتمع"، ولكن بمنهج تدريجي وعقلاني يراعي خصوصيّة كلّ مجتمع، إضافة إلى فهم كيف نربط هذه الصناعات الإبداعيّة بخلق نموذج اقتصادي ناجح في مجال الفنون.

ومع كل هذه الرؤية، إلا أنّ ميزانيّة وزارة الثقافة 2020 ما تزال تراوح مكانها، وهو ما يشكّل حافزاً للبحث عن مصادر تمويل، قال الطويسي إنّه نجح في جزء منها، ويأمل بالنجاح في مصادر أخرى.

المواسم الثقافيّة

وتطلق الوزارة ما يسمى بـ"المواسم الثقافيّة الوطنيّة" في شهر رمضان، وفي الصيف، مع تطوير ما نُفّذ العام الماضي كبرنامج تجريبي، مثل برنامج "رمضان الخير" و"سيف الأردن"، تحت هذا العنوان العريض، بواقع ستة عشر موقعاً في المحافظات وعمان، بمعدل ألفي عرض لتُتاح الفرصة فيها لأكثر من خمسمئة فنان، في المسرح والغناء وغير ذلك من الفنون، وهو ما يشكّل أهميّةً كبيرة لأنّ حجم الإنفاق سيكون بالمقاييس التقليدية كبيراً على هذا الموضوع، كما يؤكّد الطويسي الذي يسعى إلى مأسسة "المواسم الثقافية الوطنية" داخل وزارة الثقافة اعتباراً من هذا العام. وبالتزامن مع إطلاق الإطار الاستراتيجي الوطني تطلق الوزارة بحسب الوزير مشروعاً تضع اللمسات الأخيرة عليه هو مشروع "مدن الفنون والإبداع"، ليُضاف إلى ما نجحت الوزارة في تنفيذه منذ أكثر من خمس عشرة سنة، وهو مشروع "مدن الثقافة الأردنيّة"، ليشتمل المشروع الجديد على إنشاء مراكز لتدريب الفنون في المحافظات، ما يوفّر فرصاً جزئيّةً أو كليّةً لعشرات الفنانين، ويؤدّي إلى إدخال هذا المشروع عدداً من المدن الأردنيّة إلى الشركات العالميّة المعنيّة بالفنون والصناعات الإبداعيّة، مثل الشركة العالمية للمدن المبدعة التي ترعاها اليونسكو، وغير ذلك من الشبكات العالميّة في هذا المجال. ويضيف الطويسي إلى ذلك توفير المشروع فرص تمويل لبعض المشاريع الفنيّة، وتحديداً في المحافظات، وهو ما ينسجم مع المسار الذي يخطط له الوزير في الأولويات التي تحدّث عنها والمرتبطة بدمج الشباب في حركة الفنون ودمج المجتمعات المحليّة في المحافظات بهذه الحركة.

لم تعطِ الحكومات المتعاقبة لدينا، وعلى مدى أجيال، ما تستحقه الفنون، ولذلك فقد آن الأوان، كما يحثّ الطويسي، لأن يتعاون الجسمان: الفني والثقافي في الأردن مع الحكومة، لكي نعيد المكانة للحركة الفنية والثقافيّة، وهو ما لا يتمّ إلا بالمشاركة والتوافق معاً، لبناء رؤية وطنيّة توافقيّة يزهر بها قطاع الفنون ويتقدّم.
الدراما الأردنية
هذه التشاركيّة هي التي عبّر عنها نقيب الفنانين حسين الخطيب، وذهب إلى ما ذهب إليه الدكتور الطويسي من أنّ جلسة العصف الذهني ينبغي أن تتمخّض عن مشاريع عمليّة، واضحة المعالم، تعيد الثقة أو حتى تخلقها؛ خصوصاً، كما يقول الخطيب، وأنّ ندوات وموائد مستديرة كثيرة شهدتها قاعة المؤتمرات في المركز الثقافي الملكي، أوصلت الفنان الأردني والمهتمين إلى درجة عالية من اليأس، حتى تكوّن لديه- الفنان- إحساسٌ بعقوق هذه الحكومات بحق الفنان، حامل الرسالة الوطنيّة، وبحقّ المثقف أيضاً، ليذكّر الخطيب بخطاب النقابة الذي طرحه في اجتماع نقباء برئيس الوزراء، من أهميّة تقديم المشروع الثقافيّ والفني، كمدماك قوي في بناء الهوية الوطنية واقتصاد الإبداع.

من هنا، أطلّ ملف الدراما الأردنية، في حديث الخطيب، كمشروع أردني ثقافي مفضّل ويُعوّل عليه ليدرّ دخلاً؛ فهو "بترول البلد"، والمسرح كذلك، والموسيقى، والفيلم السينمائي، وسوى ذلك من الفنون، منتقداً حالة التعاطي مع الدراما الأردنية، كحالة "ثأريّة" أو حالة من عدم المبالاة؛ فنقابة الفنانين، وبما تشكّله من كونها "بيت خبرة"، قدّمت مشروعها المسرحي والدرامي حاملةً الفيلم والموسيقى أيضاً؛ ولهذا فإنّ السؤال هو في استحالة تطوير المجتمع وترقيته إذا لم يكن هناك إحساس بقيمة الدراما والفن الأردني في تغيير الذهنية المجتمعيّة نحو هدفها الإنسانيّ والوطني ورسالتها السامية في الحياة.

أوراق النقابة ومشروعها الإبداعي هذا قُدّم في مؤتمر لندن الاقتصادي، كمادّة أصيلة وتظهر التجربة الفنية الأردنية وتدرّ دخلاً، وهو دليلٌ كافٍ على أهميّته، كما يؤكّد الخطيب، الذي واصل طرحه، منوّهاً بأنّ المقصود ليس أن أعزف أو أغنّي أو أمثّل، بمقدار ما هو تميّز وإسهام كبير مأمول في اقتصاد محلي ورسالة وطنيّة، معتقداً بأنّ "الهويّة" هي في مقدار ما تضيف لبلدك، وليس بمقاييس مغرقة بالعزلة، لافتاً إلى ما يعيشه "أبناؤنا" من فرقة نفسيّة وغربة وتشتت على وسائل التواصل الاجتماعي، فعسى أن نستطيع جمعهم؛ فقد كبرت "الفاتورة"، ولا بدّ من أن نلتفّ جميعاً حول سارية الوطن وحول قوميّتنا وعروبتنا. ولذلك فالمكاشفة هي بحجم المحبّة، كما قال الخطيب، الذي زامل الوزير الطويسي في عضوية مجلس الإذاعة والتلفزيون ويزامله في وزارة الثقافة كنقيب للفنانين.

من المهمّ أن نستثمر الفن لصناعة الهويّة، يقول الدكتور ماجد الخواجا، معرباً عن أسفه لأن يشتهر فناننا في بلدان أخرى، في حين لا نهتم نحن به، أمّا أن نصنع هويتنا، فمسألة مهمّة؛ خصوصاً ونحن نتوافر على تراث عميق وإرث حضاري كبير. ولذلك، فإنّ احترام الفنان بعد أن يموت مسألة مقيتة وتشعرنا بالخجل أمام قامات مثقفة وفنيّة أكّدت تاريخنا في ما أنجزته من أعمال.

المسؤول الناجح

لكنّ من المداخلين من ذهب إلى أنّ الدراما الأردنيّة لها هويّة، ولا أحد له عليها منّة أو فضل؛ فهي أشبه بالنبتة"البعل" في طلعتها، كما يرى نقيب الفنانين الأسبق ساري الأسعد، فبالرغم من ظروف صعبة وتحديات، كان للدراما وضعها المرتبط بالمسؤول الناجح، وهو المسؤول الذي تبنّى الأغنية الأردنية وآمن بنتاجها، مثل وصفي التل، وصلاح أبو زيد، وحابس المجالي،..ولذلك فقد انتقد الأسعد أن ترفع الحكومات يدها عن القطاع الفني منذ مدّة وتحديداً الدراما، وكان عليها أن تشتغل على ذلك، فنحن بحاجة لمسؤول يدرك ماهيّة الفعل الدرامي والأغنية والموسيقى في المجتمع.

المسرح فاشل!.. هكذا يقول الأسعد؛ مبيّناً بأنّ ثلاثة مهرجانات، تدفع وزارة الثقافة فيها لكلّ مخرج مبلغاً يضطره إلى أن يأتي بكلّ الهواة في البلد لهذه المسرحية أو تلك، مع أنّ المسرح بحاجة إلى نجم، تماماً كنجم التلفزيون.

ولتعميق فكرة أن يهتم المجتمع بالمسرح، كان من الخطأ أن نقدّم له كلّ شيء مجاناً، فلا بدّ من مبلغ رمزي ليشعر الناس بقيمة المسرح كفن مميز وفاعل وممتع. ولا بدّ من أن تكون وزارة الثقافة مسؤولةً عن المحتوى والموضوع في المسرح، كما رأى الأسعد، بل لقد ذهب أبعد من ذلك، حين دعا إلى حضور "لهجتنا" على المسرح وأن تتضمّن الخشبة أوجاعنا وآلامنا وأن نكثّف من الورشات التي تجعل مسرحنا قريباً من الناس؛ ولذلك فنحن بعيدون عن المسرح لأنّه مقتصر على النخبوية، كما رأى، موافقاً وزير الثقافة في أن يرى المواطن في المحافظات مثلاً وجهه وذاته على المسرح. لكنّ كلّ ذلك يبدو عديم الفائدة في ظلّ موازنات شحيحة، كما يقول الأسعد، الذي دلل بميزانيّة وزارة الثقافة الفرنسيّة التي تكاد تكون ميزانيّتها بحجم ميزانية الأردن، أما وزارة الثقافة البريطانية التي تصل إلى ثلاثة مليارات جنيه استرليني، فهي وزارة سيادية، في حين لا تمتلك وزارة الثقافة لدينا هذه الخاصيّة، بل إن هذه الوزارة كما رأى هي في آخر اهتمامات الحكومة أو سلّم أولوياتها، وهو ما ينذر بخطر كبير قياساً إلى أهميّتها في بلدان العالم.

هوية ديناميكيّة

لكنّ المخرجة ومديرة مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان الفنانة سوسن دروزة، كان لها رأيٌ آخر، في أننا أمام موضوع متشعب جداً، وأن سؤال الماضي لا يجدي الآن في المقارنة بين ما نحن عليه وما كنّا عليه، إذ نحن أمام 2020 الذي يفترض أن نتطلع إلى هويّة ديناميكيّة حديثة، وإعادة تقييم جديّة للمشاريع، داعيةً إلى النظر في الفن المجتمعي، وهو لا يتعارض كما رأت مع وجود نخبويين ومفكرين ومبدعين من طراز رفيع يرافقهم فنانون محترفون وفنانون عاملون وفنانون تقنيون، فلا يمكن أن يكون الفن من غير نخبويين. ولذلك، فقد دللت المخرجة دروزة بما أسمته الخلق والابتكار من خلال دراسة مسحية اشتغلت عليها مع الاتحاد الأوروبي مدّة ست سنوات، وهو ما يدفعنا للمزيد من النجاح والتقدّم، كما رأت من خلال أفكار إبداعيّة ومشاغل احترافيّة، مثل معمل 612 للأفكار، تحت مسمى الهوية والمدينة.

استنتاج دروزة كان في أن معظم المشاريع ومن خلال الدراسة هو فردي، بمعنى عدم القدرة على العمل بشكل مجموع، هذا فضلاً عن أنّه لا يوجد تنظير أو بيان لدى الشباب في مشاريعهم، إذ توجد فقط خطط يكتبونها بمحتوى ضعيف جداً، فهي أفكار تحتاج إلى عشر سنوات لتتطوّر.

رؤية الفنان علي عليان كانت في ثلاث نقاط رئيسة يمكن المراكمة عليها للبناء الثقافي، وهي القرار السياسي بالدرجة الأولى، والطلب الاجتماعي، واقتصاد المعرفة أو ما يعرف بالجدوى الاقتصاديّة. أما الطلب الاجتماعي فلا يكون إلا بوجود بناء طويل الأمد، لأنّ الهدم، كما قال، سهلٌ جداً، فالبناء في أربع أو خمس سنوات لا يكفي لأن يطلب المجتمع الفنون في المسرح والسينما والموسيقى والتلفزيون، فالزمن القصير كما يقول عليان نعمل عليه من خلال خطط آنيّة أو نتاجات لحظيّة، كعرض أو عرضين، أو وجود مبلغ يوزّع في مهرجان غنائي، لكنّ ذلك معناه أسلوب الفزعة والتشغيل، ولذلك فلن تكون مجدية من أجل تأكيد منتجنا المحلي والطلب عليه.

الجدوى الاقتصادية

في موضوع الاقتصاد بالفنون، دعا عليان إلى أن يقدّم العمل جدواه الاقتصاديّة في ظلّ ثبات الدخول والمشاريع القائمة والقادمة، ثمّ يحاكم بعد إقامة المشروع، غير أنّ كلّ شيء ما يزال قائماً على العشوائيّة برأيه، بل أحياناً نصل إلى مستوى التغوّل والابتزاز، كأن يصرّح فنان ضد وزارة الثقافة ليحصل على فائدة أو مشروع، يضاف إلى كلّ هذا أننا أصبحنا في الوسط الثقافي أمام انهيار في المنظومة الاجتماعيّة الأخلاقية التي انعدمت في الحوار على وسائل التواصل الاجتماعي.

من الشباب الحضور من دعا إلى الثقة بالفنان الأردني ودعمه، مؤكّداً الثقة بوزير الثقافة من خلال رؤيته الجادة وأكاديميّته التي تسنده في التعامل مع الفنانين الأردنيين وإنصافهم، كما حصل مع الشاب الناشط في العمل التطوعي المهندس عبدالله بني هاني الذي أكّد المكانة الكبيرة للفنان الأردني في قلوب الناس.

موضوع أولوية الثقافة حملته مداخلة الفنان والإعلامي أسعد خليفة الذي دعا إلى الانتصاف للمبدع، وأن نتحدث بعمق عن موضوع اقتصاد الإبداع، في ظلّ غياب تقييم لدخل هذا الإبداع، في الموسيقى مثلاً، وفي التمثيل كذلك. ولأنّ المجال مطروحٌ لأن يتحدث الفنانون عن أنفسهم، وعن تجاربهم الشخصيّة أكثر من الشعارات الإنشائيّة، فقد ضرب الفنان خليفة من نفسه مثلاً في أدائه صوت الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب في تنافس مع فنانين عرب، في مسلسل مهم كانت قطفته الأولى 150 مليون دولار، ليعاد بث العمل وتسويقه. وفي الموضوع ذاته، تحدث الفنان أسعد خليفة عن رؤية صاحب السّمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة في حواره مع الفنانين وإنفاذه مسرحاً كبيراً في منطقة المجاز بالشارقة ليكون مردود الإبداع والمسرح والأوبرا في هذا المسرح كبيراً جداً، فالمبدع هو حالة ذاتيّة، كما قال خليفة، لا تكتمل إلا إذا تم الاشتغال عليها كمنتج عام، يتم تبنيه. وتحدث خليفة عن تجربة الهيئة العربية للمسرح وإبداع فنانين لديهم لمعات ذكاء ومراس قوي في الابتكار والاعتماد على الذات. وفي موضوع الاقتصاد الإبداعي رأى الفنان أسعد أنّ الدولة تواجه مشكلة الكلفة وتصطدم بها حين تنفذ رؤيتها للموضوع. أما رواد المسرح كأنطوان الحيحي وروكس بن زائد العزيزي، فقال الفنان أسعد خليفة إنّ أولئك كانوا يكتبون بشكل فردي فيُخلدون، وبالمقارنة فإنّ فنان اليوم يواجه منافسة كبيرة وقاسية بفكرته الإبداعيّة، خصوصاً وأنّ الفنان الأردني لديه طاقة إبداعية مشهودة عبر العالم العربي، فلا بدّ من أن يمر الإبداع بمصفاة تظهر الأعمال المهمّة والقويمة والمؤهلة للاستثمار.

العهد الوزاري

من المداخلات ما ذهب إلى ضرورة أن يمتد العهد الوزاري أكثر لكي ينفّذ الوزير أجندته الثقافية بهدوء وروية، وأن يكون في الأردن مسرح دائم أسوةً بمصر وسواها من الدول، لأنّ الناس لم تعد تؤمن بثقافة المسرح، مع أنّ ثقافة الشعوب عنوانها المسرح، ولذلك فلا بدّ من المطالبة بميزانية محترمة للثقافة.

كما أنّ منها ما عوّل على رسالة الفن الأردني النابعة من تراثنا الإسلامي ومنطلقات الثورة العربية الكبرى والمحافظة على الوصاية الهاشميّة على المقدسات، وتُمثِّل هذه الرؤية منتديات ثقافية تنظر للفن حاملاً لثوابتنا الأردنية انطلاقاً من دور الفنان الأصيل، وعلاقة الفن بالأدب والفكر لتعزيز دور الفن في الانفتاح على الشعوب في ثقافة عربية إسلامية، لكنّ هذه النظرة كانت منحازةً ضد تصوير أفلام أجنبيّة داخل الأردن مثلاً، حتى مع المناداة بحماية الأردن من الفكر المتطرّف.

لكنْ، كان ثمّة إدانة لوزارة الثقافة في مراحل سابقة لم تعتنِ بفنانين كبار، من مثل الفنان توفيق النمري وإسماعيل خضر، إذ تمثَّل متداخلون بوصفي التل مثلاً في عنايته بالأغنية الأردنية ودعمه كرئيس وزراء لفنانين مثل سميرة توفيق والنمري وخضر، حتى أنّ فناننا الأردني اليوم لم يعد أحد مهتماً بمعرفته أسوةً بمصر التي تشهر فنانيها وتقدمهم للجمهورالعربي، خصوصاً وأن جلالة الملك عبدالله الثاني دعا كثيراً إلى حماية الفنان الأردني وتمكينه من دوره الحيوي في تقدّم الأردن وحمل رسالته الوطنية.

من جهته، كان وزير الثقافة متوافقاً جداً مع أن نرتقي بالفنان الأردني، ومهتماً كثيراً بتقييم مشاريع الوزارة ومراجعتها في منهجيتها.

وهنا يبرز دور الدكتور الطويسي في اشتغاله البحثي والأكاديمي على موضوع الهوية الأردنية؛ باعتباره موضوعاً منجزاً كباقي الهويات، مع عدم الخلاف حول أهمية الفن في تعريف الأجيال الجديدة بهذه الهوية وثوابتها، تجنباً لتشظي هذه الأجيال، ولذلك فهي أولوية مهمّة.

كانت حجّة الوزير، في تأكيده أهميّة الدراما أنّ دولاً دخلت حروباً وعانت منها، ولكنّ الدراما لديها بقيت حيّةً وفاعلة، مذكّراً بأنّها فعل ناعم لكنّه قوي ويجب أن نحافظ عليه، وأن يُستدام، لأن الدعم دون الاستدامة يظل أشبه بالفزعة.
هناك تشوّه عملي في الدراما الأردنية، يقول الطويسي، مستعيداً فترة عمله في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، لكنّه لفت من منظور قانوني إلى المسؤوليّة في رعاية الفنون، معترفاً بأنّ ميزانية مخصصة لذلك تتوزع بين مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والهيئة الملكية للأفلام، ومنوطٌ بهما القيام بدور حيوي في تأكيد الفن الأردني، أما وزارة الثقافة فكما قال الوزير لا يوجد فيها أيّ بند يتعلق بصناعة الدراما، وكإجراء عملي فإن تنسيقاً بينه وبين كلٍّ من وزير الإعلام ورئيس مجلس الإذاعة والتلفزيون والمدير التنفيذي للهيئة الملكية للأفلام لتباحث كيفية تعزيز الدور الوطني للنهوض بهذه المسؤولية.

يلفت الدكتور الطويسي إلى مسألة مهمّة في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون تتعلق بموضوع شراء النصوص، كمنهجية في التعامل معها وفق آلية محددة للإنتاج، وهو ما اشتغل لأجله خلال عمله بالمؤسسة، غير أنّ قانوناً للشراء الموحّد كان اعتُمد في هذا الموضوع.

ومن ذلك، فإنّ الصراحة هي مفتاح النجاح في معرفة أين تسير الدراما الأردنية على مستوى وطني، ومتابعة ملفها وكيف ننقل لها الخبرات، باعتبار عالم الدراما يتطوّر، ودلل الوزير بأنّ "نت فلكس" على سبيل المثال غيّرت من التوليفة التقليدية في التمثيل وفي الكتابة، وحتى في الجملة، لأنّ عالماً جديداً بات يتشكّل، فمن الضروري أن نتسلّح بخبرات وتجارب في إعادة بناء القدرات الوطنية في مجال الدراما، وهو ما نحتاج معه إلى تكنولوجيا، معترفاً بأنّ لدينا مشكلة تقنية وفنية، ولا بدّ من تدريب الأجيال لبناء هذه القدرات، خصوصاً وأنّ الإزاحة لا يقابلها إحلال أو إضافة في خبراتنا وقدراتنا الوطنية.

وتتأكّد أهمية الحالة المجتمعيّة، مع عدم إنكار النخبة، في ردود الدكتور الطويسي، باعتباره ممثلاً لمرفق عام في مجال الثقافة والفنون، لكنّه يأخذ على النخب أنّ كثيراً منها يغلق بابه على نفسه، بدلاً من مراعاة الانتقال إلى "التحول العظيم"، تمهيداً لمستحقات لاحقة بعد أن تطلب "الناس" الفنون وتسأل عنها في مفردات كثيرة.

لذلك فإنّ البقاء في دائرة طلب الدعم والرعاية يمكن أن يكون مشكلة بحد ذاته، إذ من الممكن كما يرى الوزير إرضاء النقابة مثلاً بدعم دون التفكير بجهد أو نَفَس وطني لما هو قادم، فعلينا أن نبني نماذج اقتصادية قادمة وقائمة على اقتصاد الإبداع، نحو استقلالية الفنان، وهو ما يستلزم الآن إيجاد البيئة الملائمة لهذا التحوّل.

صندوق دعم الثقافة

ومن منظور كلمة الفنانة والناشطة الثقافية الدكتور لينا التل، تبدو نقاط غاية في الأهميّة، في أن يكون الفن مطلباً مجتمعيّاً، خصوصاً وهي تورد خبرتها في تقديم الفن في المحافظات، في المدارس، ناقلةً أنّ حالةً من الشغف والمحبة لمستها في تلقي الفن هناك، لكنّها كانت تنتقد بأننا ليس لدينا حركة فنية مستدامة وموسمية، كأن ينتظر الناس يوماً ما في الأسبوع في مسرح البلدية مثلاً ليسأل عن النشاط الموسيقي أو المسرحي المرتقب. فهناك فِرَق فنية في الأردن عمرها أكثر من ثلاثين سنة وتقدم إنجازها وهناك فرق مستقلة تشتغل وتحاول أن يكون من وراء الفن دخل مادي.

وتوافق الدكتورة التل طرح الوزير بأهمية القرار السياسي، كواجب للدولة والمؤسسات الأخرى، إذ لا يتوقع أحد من وزارة الثقافة أن تدفع رواتب للفنانين مثلاً، أو تنتج أعمالاً تفوق مقدرتها، غير أنّها رأت أن الوزارة يمكنها أن تعيد إحياء صندوق دعم الثقافة، أما تمثُّل التجربة البريطانيّة، فلأنّ مجلساً وطنياً للفنون يوجد في أغلب الدول الأوروبيّة، وتلفت التل إلى توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني إلى صندوق دعم الثقافة منذ سبع سنين تقريباً، باعتبارها كانت من ضمن اللجنة المكلفة بتحضير ميزانيته من خلال مجلس يكون وزير الثقافة أحد أعضائه وكذلك وزير المالية ويمثّل أيضاً من القطاع الخاص والأهلي، وله نظام، وتمّ الاشتغال عليه، وقُدّم لوزير الثقافة الأسبق، فلا أقلّ من عودته لتهيئة الوضع السياسي وحريّة الفن، وهنا يكمن دور وزارة الثقافة والصندوق لإبراز الأعمال الجيدة والنخبوية التي يستوعبها المجتمع وتحاكيه.

وتنقل التل أيضاً تجربتها مع الاتحاد الأوروبي واليونيسيف، خلال ثلاثين سنة في فرقة مسرح تدفع لهم رواتب، في ظلّ مشاكل التمويل الحكومي أو استقطابه، فنحن كفنانين نستطيع أن نصنع ثقافةً شاملة ومتنوعة إذا كان لدينا مصدر للتمويل، تحت مسمى مجلس أو أيّ مسمى آخر.

من جهة أخرى، تدرك الدكتورة التل أهميّة التدريب وفتح المجال لأبنائنا وبناتنا، في ظلّ حرمان شبابنا على مدار عشرين سنة من هذا التدريب، بسبب من التطرف الديني، متحدثةً عن وزارة التربية والتعليم والتدخلات التي لم تكن لتمثّل سياسة الدولة الداعمة للشباب، وهي تدخلات وصفتها التل بأنّها تقف موقفاً بالضدّ من الموسيقى، وربما يدخل في ذلك موضوع اعتبارها حراماً، وهو ما يستوجب أن نتنبّه لهم في المحافظات وأن نحارب التطرف والعصبية برسالة الفن، محذرةً من مؤثرات قوية على هويتنا الوطنية تؤدي إلى أن يكون الولاء للقيم الدينية المتطرفة وليس للوطن. وفي الوقت ذاته تؤكّد الدكتورة التل قيمة التوجه الجديد لوزارة التربية في إعادة حصص الموسيقى والفنون كمادة أساسية في المناهج. أمّا مراكز تدريب الشباب والأطفال فمسؤولية وطنية، بالاستفادة من وزارة الشباب، كما أنّ قيام الفنان صاحب الخبرة بالتدريب يوفر له دخلاً ويحميه ماديّاً، وفي النهاية فإنّ الدراما والفنون ستصبح بكل مفرداتها في متناول الجميع، فالعلاقة وثيقة بين وزارات الثقافة والتربية والتعليم والشباب والسياحة.

التمويل الخارجي

من المداخلات ما أكّد القرار السياسي والتشبيك مع الوزارات ذات الصلة في مجال الفنون، ومنها ما رأى أنّ مدة الوزراء غير كافية لأن ينفّذ الوزير أجندته الوطنية في مشروعات الوزارة، خصوصاً وأن الطبقة الوسطى تحتاج الثقافة والفقراء أيضاً، وليس فقط النخبة هي فقط التي تستحوذ على فرصة الثقافة ومعرفة آليات الدعم وتنفيذ المشروع. كما ذهب بعض المداخلات إلى خطورة أن يتحول المثقف إلى موظف وأن تهيمن العاصمة على الفعل الثقافي بمركزية تمنع استحقاق المحافظات، بتساؤل عن الموقف الوطني أمام أجندات التمويل الخارجي. ويذهب رئيس تحرير مجلة عالم السياحة محمود الدويري إلى الاعتزاز بالفنان المحلي الذي بنى نفسه وأجبر المجتمع المحلي على الاعتراف به، داعياً إلى مؤسسات تدريبية ترعاها الوزارة أو الثقافة في توحيد للمسارح والاعتراف بالموهبة في الإبداع، الذي يحتاج بالتأكيد إلى صندوق دعم الثقافة.

ولأنّ الثقافة هي المحتوى الفكري للوطن والأمّة، فقد انطلق متداخلون من أنّها أبعد ما تكون عن الهويّات القُطريّة أو التغريبيّة، على اعتبار أنّ هوية الأمّة تقف أمام المزيد من الأنواء، وهو ما يستلزم دعم الفنان الأردني الذي يمكن أن يدخل السجن فيصبح غارماً بسبب ضيق ذات اليد والالتزامات المالية التي يعاني.

حوكمة الثقافة

الفنان والمخرج زيد خليل مصطفى مؤسس فرقة "ع الخشب"، وفي تأكيده أهمية الحضور الفكري لأيّ وزير ثقافة، انطلقت مداخلته من رؤية الدكتور باسم الطويسي الأكاديمية والخبراتيّة، مشاطراً الوزير اعترافه بأنّ الحكومات الأردنية لم تولِ الفعل الفني الأهمية التي يستحق، مؤكّداً أنّ الفن يجب أن يكون ضرورة مجتمعيّة، ولكنّه في الوقت ذاته يحتاج إلى نُخب تصنعه، معرباً عن أسفه لأن تكون الأزمة الحقيقية في المشهد الثقافي من خلال علاقة المثقف بمشروعه، وهو ما يستوجب إعادة العلاقة بين الوزارة والأفراد، وأن تنحاز الوزارة إلى العدالة في تقييم المبدع من غير المبدع في حقل يكثر فيه قليلو الإبداع قياساً إلى المخلصين لفعلهم الثقافي والفني.

من الحضور من نظر بريبة إلى قيمة مبالغ الدعم الكبيرة التي تعطى لفنانين من خلال مشروع مدن الثقافة الأردنية، قياساً إلى فهمه للقيمة المعنوية والمادية المتضمّنة في لوحة تشكيليّة على سبيل المثال أو جداريّة ما.

لم يُخفِ الدكتور صبحي الشرقاوي خوفه وحزنه على الموسيقى، مصاباً بالإحباط وعدم التفاؤل، كأستاذ وفنان شارك في لجان لعدة سنوات لتقديم استراتيجيات ومشاريع، وعلى ثقته بالوزير، إلا أنّه دعا إلى دعم خاص للموسيقى، باستحداث مديرية للموسيقى في الوزارة، ليس أسوةً بالمسرح، ولكن لأن للموسيقى دوراً وطنياً وحضارياً كبيراً، غير أنّها ما تزال "يتيمة" ويشعر روادها بأنهم مهمشون، فلا أقلّ من مديرية ترعى الإبداعات، حتى لو اقتضى الأمر أن يتبرع الفنان نفسه لهذا، ليكون السؤال المؤلم: هل أقلّ من وجود فرقة أوركسترا موسيقية ممثلة للأردن في المهرجانات؟!..

ومن المداخلات ما أكّد خطورة بث الأجندات الخارجيّة المتطرفة تحت عباءة الفكر الديني، فنحن أمام واجب صناعة الفكر المجتمعي، لمواجهة ظاهرة استقطاب الشباب من منظور ديني لا يؤمن من خلاله بالولاء للدولة، لخدمة الهدف السياسي لجماعات متطرفة، ليختتم الفنان أسامة جبور المداخلات بتأكيده أهمية مأسسة مهرجان جرش عن طريق وزارة الثقافة.

تعليقات الوزير كانت في تأكيده أهميّة أن يتبع مهرجان جرش للثقافة والفنون وزارة الثقافة، لافتاً إلى قرار أن يرأس وزير الثقافة اللجنة التنفيذية العليا للمهرجان وتضمين ميزانية المهرجان لميزانية وزارة الثقافة، مؤكّداً قيمة "جرش" ثقافياً وفنياً ومعنوياً في الثقافة الوطنية والعربية.

لكنّ الدكتور الطويسي، وعلى احترامه لكلّ المداخلات المنادية برفع سقف الدعم المالي للفنون، باعتبار هذا السقف ما يزال دون الطموح، رأى أنّنا "لا يجوز أن نشطب تاريخاً من العمل الذي قامت به وزارة الثقافة"، صحيحٌ أنّ ميزانية وزارة الثقافة متدنية غير أنّها ليست ضعيفة، وعلى هذا فموضوع الثقافة المجتمعية أولويّة.

والدولة الأردنية دولة قويّة استطاعت أن تعْبُر عشر سنواتٍ عاصفة في المنطقة وقدمت مقاربة استراتيجية وسياسية مهمة جداً في عقود التحولات الاستراتيجية، ولذلك فقد آن الوقت لكي نحقق استجابةً ثقافية. وبحكم خلفيّته الأكاديمية يؤكّد الدكتور الطويسي ذلك من خلال اشتغاله على موضوع الإصلاح السياسي والإعلام، إذ عبَرت الدولة أخطر منعطف منذ خمس عقود بأمان، فلم تهتز، كما أنّ المجتمع الأردني أيضاً قوي ولم يرضخ لأيّ جهة أو تيار معين يريد أن يستحوذ على المشهد الثقافي أو السياسي؛ انطلاقاً من أننا دولة نرعى التعدد ونحتفي بالتنوع، ولا نسمح لأحد أن يعمل على إقصاء الآخر.

وينقل الدكتور الطويسي تفهّم رئيس الوزراء لإعادة إحياء صندوق الثقافة، إذ يجري البحث عن صيغة قانونية نستديم بها موارد لهذا الصندوق، فيصدر نظام بموجب تشريع يحقق هذا الغرض.

المسرح الوطني

ويوافق الوزير بأننا ليس لدينا مسرح وطني أو فرقة وطنية، وهو أمر قيد الاشتغال الصامت الفاعل، ذاكراً أنّ إربد ستشهد خلال شهر أولَّ مركز تدريبي للفنون تمهيداً لتعميم التجربة على المحافظات، كما يؤيّد بقوّة موضوع "حوكمة الثقافة"، والخروج من شرنقة التنفيعات بعمل تشريعات وتطوير موضوعي للملفات الثقافية والفنية، لافتاً إلى وجود مراكز ثقافية عملاقة في المحافظات تتبع وزارة الثقافة، كفيلة بأن تستوعب كل الأنشطة الثقافية والعروض الموسيقية، ردّاً على سؤال الفنان مالك ماضي، إذ نتوقع في عام 2020 أن تكتمل كل البنية التحتية الثقافية في المحافظات.

وبخصوص الملف الموسيقي فإن العمل قائم على قدم وساق، كما يقول الطويسي، إذ تم تشكيل لجنة وطنية لوضع تصوّر استراتيجي للموسيقى، وهو شعور بالتقصير المتراكم للوزارة في الجانب الموسيقي، لذلك سيعاد مهرجان الأغنية الأردنية، والأهم من ذلك أن نعيد تأهيل القدرات الموسيقيّة لإدارة هذا الجانب.

 

إبراهيم السواعير، (عمون)

27/1/2020