Black & White
الثقافة وجائحة كورونا.. نحو أفق معرفي ثقافي جديد ... د. سالم الفقير
-A +A
23 / 06 / 2020

 

لم تكن جائحة كورونا لتمر مرور الكرام على الدولة الأردنية بكافة أطيافها، فكان لا بد من الوقوف صفا واحدا وتقديم الغالي للخروج من هذه الأزمة خروجا حقيقيا يضع بين جنباته النفس البشرية، أغلى ما يكتنز العالم!
كانت الانطلاقة عصيبة وكنا في حيص بيص، كان الأمر في بدايته يوحي بكثير من الجدية من قبل الحكومة التي أظهرت ما خُفي من المحبة والحرص على الأرواح ـ وإن كان بعض الأشخاص يرى غير ذلك ـ لكن الملموس يُحتِّم على أصحاب الألباب والعقول ومن يدركون معنى «يا رب سلِّم لي إرجال الشدايد» أن يقولوا شكرا لكل الذين جبلوا محبتهم وطيبتهم وحرصهم وقدموها لنا على أكف الراحة بين طاقم طبي وجنود أشاوس لم تكن معادلة الحياة تعني لهم شيئا إلا امتثال قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
ولأن المجتمع الأردني مجتمع شاب متعلم، كان المطلوب منه أكثر من أي مجتمع آخر، ولا سيما أنَّ الصورة التي ارتسمت خلال السنوات الماضية عن هذا المجتمع بين الأوساط العربية والعالمية كانت ناصعة البياض كرما وعلما وتفهما لكثير من مجريات الحياة، حتى أن تحقيق مقولة: « نختلف في الوطن ولا نختلف على الوطن « كانت هي ديدن الحديث والعمل للخروج من هذه الجائحة، وقد نجحت الحكومة الأردنية ـ مشكورة ـ في ذلك.
ولإيمان الوزارات بالدور المنوط بها كان لا بد من إيجاد مبادرات تتواءم مع هذه الجائحة وتخفف من وطأة الحظر والحجر في آن معا؛ ولأن وزارة الثقافة تؤمن إيمانا حقيقيا أن الشعوب التي لا ترتقي بثقافتها لن تطاول عنان الثقافة، كانت الوزارة منذ الإعلان عن جائحة كورونا تعد العدة والعتاد الثقافي من أجل إيجاد أفق معرفي ثقافي جديد، وكان لها ما أرادت، حيث أطلقت وزارة الثقافة مجموعة من البرامج الثقافية كان من أهمها:موهبتي من بيتي، وكل مر سيمر، ومنصة تدريب الفنون والصناعات الثقافية شغفي، إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار فعاليات شهر رمضان المبارك، التي توزعت في كافة مناطق المملكة من خلال المديريات في المحافظات، والاحتفال بالأعياد الوطنية التي تجمَّلت برفع الأعلام على كل بيت من بيوت المواطنين؛ تعبيرا عن الحب والولاء والانتماء الحقيقي، ولإيصال رسالة مفادها أنه لا زال هناك مساحات من الفرح نحن من نصنعها، إضافة إلى مبادرة الطائرات الورقية التي جابت محافظات الوطن واستطاعت أن ترسم البسمة على وجوه الأطفال رغم تلك الآلام التي غلَّفناها بابتسامات مصطنعة؛ حتى لا نشرخ شيئا من براءة أطفالنا التي اعتادت الفرح والمرح في وطن غُبطنا عليه منذ زمن.
وكغيرها من باقي مديريات الثقافة في محافظات الوطن ـ حرسه الله تعالى ـ كانت مديرية ثقافة محافظة الطفيلة الفاعلة في ظل الظروف الراهنة بناء على توجيهات أهل الثقافة ورموزها في الدولة الأردنية معالي الدكتور باسم الطويسي المكرم، وعطوفة الأديب هزاع البراري المكرم، ولإيمان المديرية أن يدا واحدة لا تصفق جاءت الشراكة الحقيقية بين عدة هيئات ثقافية كانت تضم بين جنباتها حراكا ثقافيا يتماهى ويتماشى مع جائحة كورونا، حيث تمثلت تلك التشاركية في ملتقى السلع الثقافي الذي عقد سلسلة من اللقاءات الثقافية التي تناولت الثقافة والمثقفين بشكل عام، بعد أن قدَّم خطة شافية وافية تتواءم وجائحة كورونا حتى نهاية العام 2020، بمشاركة العديد من أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة والأدباء والمثقفين من أبناء الوطن من كلا الجنسين، الأمر الذي أوجد مساحة ثقافية جديدة للتحاور والنقاش في شتى المجالات كان من أهمها الثقافة الوطنية. كذلك خطا ملتقى عفرا الثقافي وأوجد مساحة ثقافية أخرى من خلال اللقاءات الثقافية المتعددة التي تمت عن بعد وتناولت في مجملها الشأن الثقافي في محافظة الطفيلة، ولا سيما تسليط الضوء على أبناء وبنات الطفيلة ممن كان لهم الدور الأكبر في الجانب الثقافي والسياسي والاجتماعي. أما جمعية ملتقى الغد الثقافية فقد تركت أثرا وتفاعلا ثقافيا من خلال إظهار المواهب الإبداعية في مجال الكتابة النثرية والشعرية من خلال إطلاقها لمسابقة « صورة ونَص» بالتعاون مع مديرية ثقافة محافظة الطفيلة، التي كشفت عن العديد من المواهب من أبناء وبنات الطفيلة.
واستمرت مديرية ثقافة محافظة الطفيلة بتفعيل الحراك الثقافي عن بعد من خلال جملة من البرامج الثقافية تمثلت في عرضها لشخصيات من الطفيلة، وتقديمها للإبداعات في ظل الكورونا، كذلك عرضها لمجموعة من اللوحات الفنية الخاصة بالخط العربي طيلة شهر رمضان المبارك للخطاط د. رفعت البوايزة جاءت تحت عنوان: «الخط في زمن الكورونا» كما عمدت إلى إجراء بعض اللقاءات مع الصحفيين في محافظة الطفيلة لتسليط الضوء على جائحة كورونا من خلال الصحفيين ضمن برنامج: «عين على الصحافة»، كما عرضت المديرية العديد من الأفلام، إضافة إلى عرض فيلم عن الراحل الشاعر عارف المرايات حمل عنوان: «شاعر من أرض الجنوب، الشاعر عارف المرايات» وهو من إنتاج مديرية ثقافة محافظة الطفيلة، إضافة إلى العديد من البرامج التي عُنيت بالطفل والمرأة، وذوي الاحتياجات الخاصة حيث تمت زيارة مركز الطفيلة للرعاية والتأهيل وتقديم الألعاب والهدايا لهم من قبل مدير المديرية؛ احتفاء بعيد الفطر السعيد وعيد استقلال الوطن الحبيب، حرسه الله تعالى.
وعليه، فإن وزارة الثقافة استطاعت أن توجد مساحات من الحراك الثقافي في الدولة الأردنية ضمن جائحة كورونا، ضمن فترة زمنية وجيزة، واستطعنا في الدولة الأردنية أن نكون النموذج الأجمل والأبهى، حيث كانت تجربتنا حقيقية على أرض الواقع، متمثلين قول الراحل الحسين بن طلال طيَّب الله ثراه: «الإنسان أغلى ما نملك» وقول حادي الركب صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أطال الله بقاءه:» من حق الشباب قيادة المسيرة، وإحداث التغيير المفروض» فكان لهما ما أرادا في وطن يسير جنده وشعبه خلف مليكهم في ركاب الخيرات.

"الدستور"

23/6/2020